//Put this in the section

المفاجأة السَّارة: نجدة مالية أميركية للبنان وأسرار زيارة دوكين

أحمد عياش – النهار

لم يكن الهمّ الأمني الذي شدّ الانظار منذ بداية الشهر الجاري على خلفية المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل وحده طاغيا، بل كان الهمّ المالي، ولا يزال، مبعث الترقب. لكن الاسبوع الفائت سجل تطورين لافتين يعادلان ما وصفته دوائر رسمية لـ”النهار” بـ”المفاجأة السارة”، تمثلت بوديعة قيمتها مليار و400 مليون دولار أميركي اكتتبت بها مؤسسة “غولدمان ساكس” المالية الاميركية العملاقة في مصرف لبنان، والمعطيات الجديدة التي رافقت محادثات المبعوث الرئاسي الفرنسي بيار دوكين. فما هي المعلومات المتعلقة بالوديعة والمحادثات؟




لم يكن الاكتتاب الاميركي عبر مصرف سوسيتيه جنرال اللبناني عندما انتشر في عطلة نهاية الاسبوع الماضي بـ”النبأ العادي” على حد تعبير هذه الدوائر. فليس المبلغ المكتتب به هو مدعاة الاهتمام بل مصدره. وكانت الاسئلة التي رافقت الحدث هي: ما الذي دفع مؤسسة الخدمات المالية والاستثمارية التي تعمل في أكثر من 30 دولة ولديها أكثر من 850 مليار دولار أميركي من إجمالي الأصول، ان تتجه صوب السوق اللبنانية؟ ومن هي الجهة في المؤسسة التي طلبت الإقدام على هذه الخطوة في لبنان؟ وهل للجهات الرسمية في الولايات المتحدة دور على هذا الصعيد؟

حتى إعداد هذا الموضوع، كانت جهات على مستوى واسع من الاطلاع تطرح هذه الاسئلة ولا تقدم اجوبة. وفي جلسة شاركت فيها “النهار” وضمّت عددا من الخبراء، جرى تداول تكهنات من المفيد إيراد عدد منها: لا شك ان هناك توجّها سياسيا رافق قرار “غولدمان ساكس” يريد التأكيد ان الادارة الاميركية ترسل إشارة الى ان الغطاء الاميركي للبنان أمنيا عبر دعم الجيش وسائر المؤسسات الامنية، وماليا عبر دعم الاستقرار النقدي، مستمر في موازاة سياسة التشدد التي تواصل الادارة الاميركية ممارستها حيال أي تعاون مع “حزب الله”. وأتى هذا الاكتتاب في وقت كان القطاع المصرفي يعيش تداعيات العقوبات الاميركية التي فرضتها وزارة الخزانة على “جمّال تراست بنك”. وفي الوقت عينه، جاء الاكتتاب ليملأ فراغا كان من المفترض ان يملأه الاكتتاب الخليجي. وكانت هناك أنباء متداولة منذ أشهر حول وديعة قطرية بقيمة نصف مليار دولار كان من المفترض ان تصل الى مصرف لبنان، لكنها لم تتحقق. ويذهب احد الخبراء الى القول ان زمن الدعم المالي الخليجي للبنان قد ولّى وجاء زمن الدعم الاميركي.

في موازاة هذا التطور المالي الذي ما زالت أبعاده قيد التكهّن، جاءت زيارة الموفد الفرنسي المكلف متابعة مؤتمر “سيدر” والمواقف التي أطلقها الاخير قبل مغادرته لبنان، لتفتح صفحة جديدة من الثقة تؤكدها الدولة المضيفة للمؤتمر بعد أشهر طويلة من الشكوك التي عبّر عنها دوكين خلال ممارسته مهمته. فهل ثمة معطيات بدّلت في قناعات المبعوث الفرنسي حيال مسار التطبيق اللبناني لقرارات المؤتمر؟

يقول مصدر بارز في الفريق اللبناني المتابع لملف “سيدر” لـ”النهار” ان هوّة برزت بين دوكين وهذا الفريق منذ انتهاء المؤتمر تتعلق بآلية عمل متابعة تنفيذ المقررات. ففيما كان الجانب الفرنسي يسعى الى قيام هيئة متابعة تتمتع بصلاحيات واسعة لتنفيذ المقررات، كان الجانب اللبناني يقول ان مثل هذه الهيئة لا يمكنها العمل خارج النطاق القانوني. ونتيجة هذا التباين، سادت البرودة في العلاقات بين الجانبين الى درجة ان انتقادات صدرت عنهما في اتجاه بعضهما البعض، ما اوحى ان هناك ما يشبه القطيعة بينهما. لكن اتجاهات الرياح “تبدّلت فجأة” في الاسبوع الماضي، على حد تعبير المصدر. وبدا ان تعليمات عليا صادرة عن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون مباشرة، طلبت من مبعوثه التوجه الى بيروت لإبلاغ الجانب الحكومي ان باريس توافق على النظرة اللبنانية الى آلية عمل متابعة تنفيذ مقررات “سيدر”. وقد رافقت خطوة التأييد الفرنسي للتوجه الحكومي اللبناني، توجيه دعوة رسمية من قصر الاليزيه الى رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لزيارة فرنسا في 20 أيلول الجاري للقاء الرئيس ماكرون.

هل انحسرت “أحزان” لبنان بوديعة “غولدمان ساكس” وزيارة دوكين؟ تجيب اوساط مرجع حكومي بالنفي. ففي ما يتعلق بالوضع المالي، تقول هذه الاوساط ان مشروع موازنة 2020 سيبصر النور في موعد لن يتجاوز نهاية السنة الجارية. لكن هذا المشروع لن يحمل حلا عجائبيا لواقع المالية العامة. والسبب يعود الى ان التقشف الذي سيتواصل حيال القطاع العام لن يقابله توسع في الإنفاق الاستثماري. أما الرجاء المعقود على تطور جذري في ملف الكهرباء الذي يتسبب بالقسم الاساسي من المديونية والعجز، فهو ما زال بعيد المنال بسبب غياب الشروط الضرورية لجذب الاستثمارات الى القطاع وفي مقدمها ضمانة الدولة. وهناك 4 مليارات دولار أميركي منذ ما قبل حكومة الحريري عام 2017، أي ما قبل مؤتمر “سيدر” وملياراته الـ11، تنتظر الإنفاق على نحو 40 مشروعا تقرر اعتمادها، ما زالت خارج التنفيذ.

في الخلاصة، يبدو المعنيون بمؤتمر “سيدر” متشجعين بالعناية الاميركية والفرنسية وخائبي الامل بالسلوك الداخلي. ربما على الاقل، يحتاج اللبنانيون الى التمتع حاليا بإيجابيات المفاجأة الاميركية – الفرنسية.