//Put this in the section

متى يصير لبنان دولة؟ – الياس الديري – النهار

جمعتنا “على حين غرّة” مناسبة لم تكن على خاطر أو بال. مرَّ زمن طويل من غير أن نقصد شارع الحمراء، أو نمر بمبنى “النهار” التاريخي، أو نحوِّل حيث كان يربض مطعم “الهورس شو”: أصدقاء وزملاء من ناس الزمن الجميل والأيام الصعبة وحروب بوسطة عين الرمانة. الخَتْيَرة ظاهرة ببياض شعر الرأس والذقْن والشارب، بلا منَّة من متحدِّث، أو لفتة من مشتاق الى أيام العزوبيَّة والسهر، وصفو البال، ودفق الخير على لبنان.

بعد التنهُّدات، والتحسُّرات، وذرف الأشواق على أيام الحمراء، والازدهار، والفرح، والوجوه الضاحكة التي غابت الى غير ظهور لا في الداخل ولا في الخارج، وبعد رزق الله على هاتيك وأولئك وما كان وما لم يعد، طُرح حوار من عمق الجراح وحرقات القلوب. ونَبَش في دربه كيف تتكرَّر الأحداث بأشكال ولاسباب تكاد تكون واحدة. وكيف يلجأ من يكونون في السلطة الى الدول ذاتها، والمرجعيات ذاتها، والمطالب ذاتها. وسواءً بسواء، فيما اذا كانت الأزمة أو الحرب أو الكارثة من صنع الداخل أم من وحي الخارج. فاللجوء اللبناني في مثل هذه الحالات سيكون متوسلاً الخارج.




وكان من البديهي والواقعي أن يقف هذا الصحافي، أو ذاك السياسي، أو ذلك المسؤول السابق، ويصرخ بملء صوته، وبكل ما لديه من دهشة وغضب واستغراب واعتراض وتساؤلات: يا جماعة، شو هَـ البلد اللي عايش بالأزمات والهزّات، واتكاله في كل الحالات على الآخرين. على مظلة دولية، على دعم أميركي، على تأييد عربي شامل، على اندفاع كبير من المملكة العربيَّة السعودية كما حصل في مؤتمر الطائف الذي استمر شهراً ونصف شهر، وانتهى باتفاقٍ، ودستورٍ، وتبويس جماعي، ودعم للوضع”.

قال السياسي الذي كان عضواً في مؤتمر الطائف: الغريب العجيب أنَّ أحداً لم ينتقد هذا الوضع الشاذ المقتصر على لبنان وحده. ما من دولة عربيَّة سبق لها أن لجأت الى دولة صديقة أو شقيقة أياً تكن أنواع أزماتها. باستثناء لبنان، ما من أزمة وزارية أو رئاسية، الا وتسبَّبت بهزَّات، وتهديدات استوجبت تدخلاً من هذه الدولة أو تلك.

مَثَلٌ آخر يكاد ينطبق بهول ما يتعرَّض له لبنان من تهديدات مصيريَّة على مختلف الصعد، وخصوصاً الصعيد الاقتصادي والمالي والمعيشي والحياتي، فإذا بالمسؤولين حالاً وسريعاً الى العادة يا سعادة. شوفوا شو بيعملو لنا بالنسبة الى “سيدر” أو غيره وغيراته. ناهيك بمرض الكهرباء، و”التلوُّن” البيئي، والتلويث المائي، وانتشار تلال النفايات، واختفاء رؤوس الجبال، و…

ينط خبير اقتصادي معتَّق متساءلاً بدوره: يا عمي شو هـَ الدولة اللي بدّا الدول الأخرى تصلح لها أوضاعها؟ أين الدولة؟ أين الحكم؟ أين المؤسَّسات؟ أين المسؤولون؟ ما هي مهمة كل هذه الطوابير من المسؤولين، متى يصير لبنان دولة؟

لا حديث إلا عن الفساد، والتسيُّب، والهدر، وضياع المليارات، والتفلُّت، وما من “متهم” معيَّن سيق بتهمة محددة. متى تنتهي هذه الكوميديا، وتحلُّ دولة لبنانيَّة مسؤولة وقديرة، فتُعفي لبنان وتنقذه من الاستهتار والتعتير والفلتان؟

تمثّلوا بالرئيس فؤاد شهاب.