//Put this in the section

بين الهجرة واللجوء الإنساني… لبنانيون وفلسطينيون على أبواب السفارات لتحقيق الحلم

أسرار شبارو – النهار

مشهد غير مألوف يعكس حالة اليأس والإحباط التي يعيشها الشباب اللبناني والفلسطيني على حدٍّ سواء، ظهر أمام السفارة الكندية في جل الديب، من خلال اعتصامات مطالبة بفتح باب الهجرة واللجوء الإنساني، الأمر الذي دفعها إلى إعلان أنّها “لا تقبل تقديم الطلبات مباشرة، شخصياً أو عن طريق البريد الإلكتروني، لإعادة التوطين أو لأي نوع آخر من أنواع الهجرة اقتصادية أو عائلية أو إنسانية”.




السفارة الكندية ليست إلا باباً من أبواب عدة سيطرقها من اتخذوا القرار بمغادرة لبنان، والأيام المقبلة ستشهد مزيداً من الحشود والاعتصامات أمام سفارات عدة، إلى أن يفتح باب إحداها ويتمكن الشباب من الانتقال إلى دولة أجنبية تحقق حلمهم بالعيش الكريم.

من رحم الألم

فكرة الاعتصام أمام السفارة الكندية والمطالبة بالهجرة تعود كما قال أحد منظمي تحرك “بدنا نفل من لبنان” أحمد الفوال (من طرابلس، والد لستة أبناء ويعمل سائق سيارة أجرة) إلى “حالة الإحباط التي أُصبنا بها كمجموعة من الشباب بعد نزولنا عدة مرات إلى الشارع ومطالبة دولتنا بتأمين أبسط حقوقنا، إلى أن فقدنا الأمل بأن نلقى آذاناً صاغية”، مؤكداً لـ”النهار”: “عندها تساءلنا إلى متى سنبقى صامدين في لبنان، في حين أن هناك من يعيش في الخارج والدولة تؤمن لهم ولأولادهم حياة كريمة من دراسة وطبابة وغيرهما”. وعن سبب اختيار السفارة الكندية أجاب: “لأنها، بحسب ما علمناه، تقبل طلبات الهجرة، وسنتحرك أمام السفارة الأوسترالية والألمانية وغيرهما، فهدفنا مغادرة لبنان إلى أي بلد يحترم الإنسان، واعتصامنا هذه المرة ليس كي يصل صوتنا إلى سلطتنا بل كي يعلم المجتمع الدولي ما يعانيه اللبناني وأنه يموت على البطيء”.

تمكن المعتصمون اللبنانيون، من مقابلة السفيرة الكندية. وأكد أحمد: “ليس لنا علاقة بأي جهة سياسية أو حزبية أو أية منظمة محلية أو دولية، وسيلتنا وسائل التواصل الاجتماعي”.  وأشار ” شرحلنا لها الوضع الصعب الذي نعيشه، وتطرقنا إلى أن وضع اللاجئ في لبنان أفضل من وضعنا، كونه يحصل على المساعدات من قبل المنظمات والجمعيات الدولية، في حين لا يلقى اللبناني الاهتمام حتى من وزارة الشؤون الاجتماعية، فنحن مثلاً في موسم مدارس حيث يعجز الأهل عن دفع رسوم التسجيل في المدارس الرسمية والتي تبلغ 271 ألف ليرة عن كل ولد، والدولة لا تبالي بالأمر، فطلبت السفيرة منا تقديم عريضة لترفعها إلى وزارة الخارجية الكندية ومنها إلى السلطات المعنية لتأخذ على أساسها القرار، وقد قمنا بإعدادها وبات لدينا أكثر من 1500 اسم جميعهم من الشمال وسنطالب من خلالها كذلك تقديم تسهيلات للبناني لأنه ليس لديه القدرة حتى لدفع ثمن تذاكر السفر، وسنتوجه إلى السفارة لتسليمها، فنحن نريد الخلاص وسنستمر بالتحرك إلى حين مغادرة لبنان”.

أمل مفقود

شارك محمد أنوس (25 سنة) من طرابلس في اعتصام الشباب اللبناني أمام السفارة الكندية، بعدما ضاقت به سبل العيش، إذ كما قال: “كنت أعمل في كافيتريا براتب 100 ألف ليرة في الأسبوع، وبسبب تراجع حركة العمل استُغني عن خدماتي، لأجد نفسي من دون أي مردود مادي”. وعن الصعوبات الأخرى التي يواجهها في وطنه “هي ما يلسمها الجميع في حياته اليومية وتتمحور حول الطبابة، حيث يُذلّ المريض لكي يتمكن من الدخول إلى المستشفى وتلقّي العلاج، وإن لم يكن لديه وساطة من قبل أحد النواب فمن الصعب أن يجد سريراً فارغاً لاستقباله”. وشرح: “عانيت من مرض لمدة خمس سنوات، باع والداي كل ما يملكان من أجل علاجي والحمد لله تعافيت، هذا عدا عن الصعوبة في إيجاد فرصة عمل، والرواتب القليلة، فالحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة في حين أن إيجار منزل في طرابلس لا يقل عن 400 دولار، هذا عدا عن أزمتَي الكهرباء والنفايات، باختصار كل ما أريده العيش بكرامة، ولهذا أطمح إلى الهجرة”.

صورة تعكس حال الكثيرين

مصطفى أمون (29 سنة) من الضنية واحد من الذين سجلوا أسماءهم للهجرة، قال لـ”النهار”: “أنا شاب لبناني تخرجت قبل 5 سنوات، وحصلت على شهادة في إدارة الأعمال، كان حلمي الحصول على وظيفة رسمية، وكون ليس لدي وساطة لم أتمكن من التعاقد في أي وظيفة، لذلك تقدمت إلى مجلس الخدمة المدينة في امتحانات التوظيف في مرفأ طرابلس، نجحت إلا أن فرحتي لم تكتمل. فمنذ سنة إلى الآن لم يتم توقيع مرسوم التعيين بسبب رفض وزير الخارجية بحجة غياب التوازن الطائفي، لذلك أنا أعمل الآن في محل حلويات”. وأضاف: “ليس لديّ مستقبل في لبنان، كل حلمي أن أهاجر إلى أي بلد في العالم”.

لجوء إنساني لا هجرة

هو طلب لجوء إنساني وليس هجرة بالنسبة للفلسطيني، بحسب ما أكده رئيس “الهيئة الشبابية لفلسطينيي لبنان للجوء الإنساني” كمال عقل (سكان مخيم عين الحلوة)، قبل أن يشرح: “في البداية تدارست مع عدة شباب المأساة التي نعيشها في لبنان، والتي تتمثل في حرماننا من حقوقنا المدنية والإنسانية والسياسية، من ضيق العيش في المخيمات، من تخلي القيادة الفلسطينية عن شعبها في لبنان، من تقليص الأونروا خدماتها على الرغم من أنها المسؤولة عنا وعن حمايتنا، من الحرمان بشكل عام، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي تواصلنا مع باقي الشباب في المخيمات والتجمعات الفلسطينية ووجدنا استحساناً لفكرة مطالبة السفارات باللجوء الإنساني، وحتى اليوم لدينا 10 آلاف بطاقة إعاشة مسجلة أي حوالي 55 ألف شخص”. وأضاف: “السفارة الكندية هي هدف من ضمن عدة أهداف لدينا، انطلقنا منها كونها من ضمن الدول التي تستقبل اللاجئين، والأربعاء المقبل سيكون لنا اعتصام في ساحة الشهداء ولقاء مع الاتحاد الأوروبي والسفارة الأوسترالية”.

لوضع حد للحرمان

كما شارك في الاعتصام أمام السفارة الكندية فلسطينيو سوريا، وقال المنسق العام للهيئة الشبابية لفلسطينيي سوريا معاوية أبو حميدة:  “فكرة التحرك تعود إلى سنة 2013، عملت عليها رابطة تابعة للسفارة الفلسطينية في لبنان، قبل أن يسافر من كان على رأسها إلى الخارج”. وأضاف: “في شهر نيسان الماضي قدمت طلب لجوء إنساني إلى السفارة السويسرية، فطُلِب مني ورقتا إثبات تؤكدان عدم حصولي على مساعدات من قبل المفوضية السامية والأونروا، لم أتمكن من ذلك كونهما كانتا مع الرابطة، عندها طرحت من خلال مجموعة على “الواتساب” فكرة الاعتصام أمام الأونروا لمطالبتها بإعطائنا ورقة تشير إلى عدم قدرتها على إعادة توطيننا أو لتجد لنا بلداً يمكنه استضافتنا، لاتفاجأ باتصال من أحد الأشخاص في الرابطة يطلعني أن الأوراق معه، وبعد أن حصلت عليها، دُعيت للاعتصام الأول في الخامس من الشهر الماضي أمام السفارة الكندية”.

طلب المعتصمون عقد اجتماع مع مسؤول في السفارة، وبعد أسبوعين قال أبو حميدة: “التقينا المستشارة السياسية للسفارة الكندية ومستشارتي التنمية والدعم، تحدثنا عن أوضاع الفلسطينيين بشكل عام كلاجئين منذ 72 سنة، وبخصوصية عن الملف الفلسطيني اللبناني كمحرومين من 70 وظيفة، والآن بحاجة إلى إجازة عمل، بالإضافة إلى عدم حقنا بالتملّك، وتقليص تقديمات الأونروا، وتكلمت عن وضع فلسطينيي سوريا في لبنان وعن وجودهم القانوني، طُرِح علينا موضوع العودة إلى سوريا، شرحنا الأسباب التي تحول دون ذلك، منها التجنيد الإجباري وما يعنيه من دخولنا في حرب ليس لنا علاقة بها، إضافة إلى تهدّم مخيم اليرموك الذي كان يؤوي 70 بالمئة منا”.

كما أشار أبو حميدة” اعتصامنا يوم الخميس الماضي كان للتأكيد للحكومة الكندية أننا متمسكون بمطلبنا، وقد سلمنا السفارة كتاباً  يضم 2300 اسم من فلسطينيي سوريا، يشرح أسباب مطالبتنا باللجوء، طالبين مساعدتنا أسوة بفلسطينيي العراق الذين استقبلت كندا الجزء الأكبر منهم”. وتابع: “تعرضنا لهجوم من قبل الفصائل الفلسطينية وأشخاص مستفيدين من تواجدنا في لبنان، حيث اتهمنا بالتخوين والتبعية لأجندات خارجية وبتطبيق صفقة القرن، جوابنا لهؤلاء نحن لا نتنازل عن حق العودة ومن لديه حل آخر فليطرحه على الطاولة، ونحن مستعدون للتراجع عن خطوتنا، لكننا على يقين انهم مجرد أبواق لتعطيل مشروع عيشنا بكرامة”.

معاناة تطول

“الهجرة أو التهجير ، مصطلح لم نعتده سوى في السنوات الأخيرة، مع بداية الحرب السورية وازدياد ضغوط القوانين اللبنانية وارتفاع معدل البطالة وما يتبعه من أزمات اقتصادية واجتماعية، ما يؤثر علينا سلباً ويستدرج شبابنا من السيئ إلى الأسوأ “، وفق ما قال علي السّعيد من سكان مخيم شاتيلا الذي شارك في الاعتصامين أمام السفارة الكندية قبل أن يضيف: “كشاب في عمر الخامسة والعشرين اصطدمتُ بجدار إسمه أنت لاجئ – أجنبي”. وأضاف: “كل مطلبنا العيش في بلد يحترم الإنسان لا يفرق بين جنسية أو عرق أو طائفة ومذهب، ففي لبنان أُمنع حتى من الدخول إلى بعض المناطق لكوني “فلسطيني”، كما أمنع من العمل، فقد تقدمت لأكثر من عشرين شركة لبنانية ولم أُقبل بأي منها، حتى على مستوى المؤسسات الدولية، تقدمت بطلبات عمل من دون أن ألقى رداً حتى الآن، اضطررت للعمل في المهن الحرّة، حيث لا يرقى الأجر الذي أتقاضاه إلى مستوى التّعب والإنهاك، عدا أن العاصمة بيروت تُعدّ من أكثر المدن غلاء للمعيشة في العالم “.

اذاً هي بداية التحركات التي ستستمر حتى تحقيق الحلم بمغادرة بلد لم يستطع تأمين أبسط مقومات العيش الكريم لمواطنيه فكيف للاجئين فيه!