انفتاح التقدّمي على ”الخصمَين” ضرورة أم خيار نهائي؟

ابراهيم بيرم – النهار

يحبّذ إعلام الحزب التقدمي الاشتراكي ان يسبغ على اللقاء الرفيع المستوى الذي شهدته اخيرا إحدى قاعات عين التينة مع #حزب_الله، صفة انهاء القطيعة الطويلة نسبيا بين الطرفين، على طريق العودة الى ما اصُطلح على تسميتها مرحلة تنظيم الاختلاف وربط النزاع التي سرت منذ فترة طويلة.




والاكيد ان إعلام رئيس مجلس النواب نبيه بري فضَّل ان يطلق على هذا اللقاء صفة “الانجاز” الذي قد يصل الى حدود “الفتح السياسي”، وهذا لا يبدو مستغرَباً بالنسبة الى مَن تولّى رعاية عقد اللقاء وتنكّب مهمة تذليل العقبات التي كانت تحول دون حدوثه والذي احتاج الى جهد استثنائي.

والواضح ان الامر ترافق مع ذهاب الحزب التقدمي الى حد اعطاء “لقاء اللقلوق” الذي مثَّل فيه رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب تيمور جنبلاط شخصياً الحزب قبالة رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، صفة “تنظيم الاختلاف” توطئة لإزالة ذيول حادث قبرشمون ولفتح الآفاق امام مرحلة جديدة من العلاقة.

واللافت انه في كلا اللقاءين – الحدثين اللذين ملآ الفراغ السياسي الحاصل، كان محورهما الحزب الاشتراكي الذي يبدو، بحسب معلومات رشحت اخيرا، انه قرر ولوج الهجوم على التسويات على نحو يريد معه ان يكون الامر فاتحة لأمرين معا:

الاول التحلل التدريجي من صورة “المشاغب المشاكس” الذي يقف على اهبة الاستعداد لفتح خطوط تماس سياسية دائرية، وهي الصورة النمطية التي لازمته تقريبا منذ عشية الانتخابات النيابية (وفاتحتها اشتباكه المشهود مع “تيار المستقبل” على خلفية معلنة هي انتخابات البقاع الغربي – راشيا)، والى الأمس القريب حيث كانت له منازلات مع الحلفاء (“تيار المستقبل”) والخصوم (“حزب الله” و”التيار الوطني الحر” ودروز 8 آذار) على السواء، وتجلت ذروة هذه المنازلات في أحداث قبرشمون – البساتين وما أعقبها من مساجلات اتصفت بالحدة.

الثاني إعلان ولوج مرحلة جديدة عنوانها العريض الانفتاح على جبهة الخصوم من اوسع الابواب والظهور بمظهر الايجابي المساهم في صنع لعبة الاستقرار السياسي الذي تحتاج اليه البلاد.

وحيال هذا التطور الذي لا يمكن إلا ادراجه في خانة التطورات الايجابية، فان السؤال الذي يُطرح هو: اذا كان الحزب التقدمي الاشتراكي قد شاء ان يلج دائرة “تحسين صورة حضوره على المسرح السياسي” عبر الولوج الطوعي الى صنع معادلة الاستقرار والانضباط انطلاقاً من لعبة خلط الاوراق قد استنفد اغراضه، فما هي الاعتبارات التي أملت على “حزب الله” و”التيار البرتقالي” الرد على تحية الحزب العريق بمثلها او بأحسن منها؟

لم يعد خافياً ان “حزب الله” كان قد اختار قبل فترة، وتحديداً ابان الازمة التي نشأت عن حادث الجبل الاخير، مبدأ عدم التلاقي مع التقدمي او اداء دور الوسيط او العاطي للضمانات، وهو عندما اختار الآن انهاء حال القطيعة مع الحزب الاشتراكي، فان الحتمي هو ان ثمة حسابات واستنتاجات وقناعات جديدة توافرت لديه دفعته الى هذه الانعطافة. قد يبدو الامر لوهلة انه نزولاً عند رغبة الرئيس نبيه بري وتمنياته. ولكن مَن يعرف “حزب الله” في العمق يدرك انه ليس من النوع “المكارِم” في قضايا سياسية يعدّها استراتيجية بالنسبة اليه، خصوصا ان قواعد الحزب ومناخاته سبق لها ان شهدت نوعاً من خطاب “الكراهية والعداوة” ضد جنبلاط بُعيد اطلاقه تصريحه الشهير الذي نفى فيه لبنانية مزارع شبعا ليسقط مع هذا النفي اسانيد اساسية يتكىء اليها الحزب لتبرير استمرار مقاومته وللابقاء على سلاحه.

وعليه تتعدد الآراء والتحليلات داخل مناخات الحزب ولدى قواعده، والتي تقدَّم لتبرير القبول بعملية انهاء القطيعة مع التقدمي. فثمة من يرى ان الامر لا يتعدى اولا واخيرا حدود النهج الذي دأب الحزب على اتباعه والسير على هديه في العلاقة مع القوى والاحزاب اللبنانية، والقائم على فكرة المهادنة حيث تدعو الحاجة، وفكرة التهاون بأدنى الحدود حيث تدعو الضرورة، ولكن في كل الحالات على قفل كل خطوط التماس الداخلية مقدمة للانصراف الى ما هو اسمى واكثر اهمية لدى الحزب.

ولكن يبدو ان الامر مختلف هذه المرة في حسابات الحزب مع التقدمي، وهو مبني على معطيات ووقائع جديدة تختزن في طياتها مؤشرات الى ان التقدمي اطلع من يعنيهم الامر وفي مقدمهم الرئيس بري على انه قد بلغ اخيرا مربَّع القبول بمقتضيات المعادلة السياسية التي فرضت نفسها واثبتت حضورها واستعصاءها بعد “التفاهم الرئاسي” قبل نحو اربع سنوات، متأخرا نحو عامين عما فعله الرئيس بري عندما وجد ضرورة ملحّة بوضع حد لمواجهته الطويلة لما ارساه هذا التفاهم من موجبات وحقائق عنيدة. وبالتالي فان جنبلاط صار في وارد القناعة بان مساحة اللعب على التناقضات قد تضاءلت الى حدود التلاشي.

ومع ذلك فان السؤال الذي ما برح يراود كثيرين داخل “حزب الله” هو: هل ثمة ما يضمن ثبات الرهانات الأخيرة عند جنبلاط؟

الاجابة عند المطلعين على خفايا الامر عند الحزب، هي انه صار حرياً بجنبلاط ان يكون قد تعلّم من التجارب القديمة والجديدة على السواء، فضلاً عن ان الجديد اللافت والذي لا يمكن إلا ان يؤخذ في الاعتبار هو ان خليفته في الزعامة الجنبلاطية بدأ عمليا، وربما للمرة الاولى منذ تسلمه عبء الخلافة، يختط طريقه لوحده فيبادر الى زيارة اللقلوق للالتقاء بالوزير باسيل، وهو دليل على ان ثمة حسابات جديدة لدى المختارة. ومع بلاغة هذا الاستنتاج يبقى لدى الجهات عينها انه يتعين مع المختارة الابقاء على مساحة من احتمالات التبديل.