//Put this in the section

‎الباحث السياسي سعود المولى: عون يستعين بـ”إرهاب العثمانيين” لتعبيد الطريق أمام “حلف الأقليات

في تجربة الدكتور سعود المولى المترامية أكثر من علامة فارقة تجعله صاحب خبرة متقدمة في ميدان “الاجتماع السياسي”. فضمن دروب الماركسية وفضاء القضية الفلسطينية وعوالم الإسلاميات التي اختبرها إلى جانب المرجع الشيعي المستنير محمد مهدي شمس الدين، وفي رحاب الحوار الإسلامي – المسيحي، شكّل المولى “عقله” السياسي كباحث وناقد وناشط.

ومن المصادفات التي تجعل المولى من بين أكثر الذين يمكنهم “محاكمة” الجدل الدائر حول العثمانية ولبنان الآن، إشارته في سيرته الذاتية إلى أن جدَّ والدته كان ضابطاً عثمانياً، وجدَّه لوالدته كان موظفاً في المالية العثمانية في صيدا قبل أن يُهاجر إلى فلسطين في زمن الانتداب ويعود بعد النكبة موظفاً تركياً متقاعداً.




ولعل هذا البُعد في تكوينه المجتمعي وفي فهمه التحوّلات التي رافقت تلك الحقبة ودروس التجارب المضنية كان محفِّزاً لقراءة سياسية نقدية لاستيلاد رئيس الجمهورية ميشال عون للأزمات المتتالية، الذي شكَّلت رسالته إلى اللبنانيين في مئوية “لبنان الكبير” آخر فصولها، بحيث كانت استعارة “تاريخ إرهاب الدولة العثمانية” في خدمة السياسة الآنية، وقوداً للنار الخافتة.

يُقدِّم المولى قراءة مُظلمة للواقع الذي يعيشه لبنان في ظل اختلال موازين القوى والانهيار العربي المخيف والعمل على استثارة النزاعات الطائفية والاصطفافات المسيحية – الإسلامية من جهة، والسنية – السنية من جهة أخرى، في لعبة خطرة على الكيان.

هنا نص الحوار:

○ اعتبرت أن ما قاله رئيس الجمهورية ميشال عون، خلال إطلاقه الاحتفالات بمئوية “لبنان الكبير” عن إرهاب الدولة العثمانية للبنانيين، هو موقف متعمّد، كيف قرأت ذلك؟

  • قلت إنه موقف متعمَّد لأنه لم يأتِ في سياق خطاب ارتجالي أمام حشد شعبي متحمّس وإنما كان نصاً مكتوباً بمناسبة إطلاق احتفالات ذكرى إعلان “دولة لبنان الكبير”. وموقف من هذا النوع يُوجهه الرئيس إلى اللبنانيين لا يمكن أن يكون عفويًا، ثم هو ينسجم مع كل ما قاله وفعله خلال السنوات الماضية وخصوصاً خلال الأسابيع الأخيرة. ولو قلنا إنه غير متعمَّد لوجب الاعتذار عنه أو سحبه، أو على الأقل عدم الذهاب في التصعيد والعداء لتركيا إلى الحد الذي بلغه بيان وزارة الخارجية، ثم الاعتداء على السفارة التركية، ولهذا الأمر سوابق كما تعلمون.

○ أي رسائل يحملها هذا التوجه؟ ومن وجهة نظرك، هل كلامه يصيب أهدافاً عدّة بحجر واحد؟

  • الرسائل كانت واضحة: ففي أتون معركة إدلب المشتعلة قصفاً ودماراً ومسعى الحلف السوري -الإيراني – الروسي للاستيلاء عليها، وتعثر المفاوضات الروسية – التركية حولها أو بالأحرى عدم تحقيق هدنة حقيقية، والحَرَج التركي من خسارة إدلب ومن أزمة اللاجئين فيها، جاءت رسالة الرئيس اللبناني الأولى ضد تركيا لتوثيق حلفه مع سوريا وإيران أولاً ومع روسيا ثانياً، عبر استعادة ذكريات الصراع التاريخي الروسي – العثماني والإيراني – العثماني. والمعروف أن الرئيس اللبناني وصهره يعملان بنشاط في موضوع الحزب المسيحي المشرقي، ويُشرفان على توفير كل مقومات نشوء ونمو حلف الأقليات هذا بالتعاون مع النظام السوري والرئيس بوتين.

أما الرسالة الثانية فمسيحية داخلية، فهي في وجه تصاعد قوة ونفوذ تيار “القوات” مسيحياً على حساب “التيار الوطني الحر”، والانتكاسات التي شهدها هو ورئيسه جبران باسيل خصوصاً في “قضية المجلس العدلي” بخصوص “حادثة البساتين”، وعشية خطاب مهم لسمير جعجع، هذا يعني سحب البساط المسيحي من تحت قدميه، إذ يحشره في زاوية مَن هم حلفاؤك؟ هل هي تركيا العثمانية؟ وهنا استثارة للذاكرة الجماعية المارونية ضد العثمانيين وذكريات المجاعة والمشانق…إلخ. وهذه الرسالة حين تصيب “التيار القواتي” فإنها تقوّي موقع جبران باسيل عشية انتخابه بالتزكية رئيساً لـ”التيار”.

الرسالة الثالثة كانت للأرمن وحزبهم الرئيس المتمثل بـ”الطاشناق”. فأي موقف معادٍ لتركيا يُدغدغ مشاعر الأرمن. وقد أرفق هذا الموقف بحادثة التعدِّي على السفارة التركية في بيروت على يد عناصر معروفة بأنها طاشناقية – عونية.

أما الرسالة الرابعة، فكانت لـ”حزب الله” والشيعة عموماً في خضم حدثين، الأول الاعتداء الإسرائيلي على الضاحية بطائرة مسيَّرة والرد المحدود لـ”حزب الله”، وما أثاره ذلك من حملات إعلامية ونقاشات أضعفت هيبة “الحزب”، وبعضها كان هازئاً أو غير مصدق لرواية “الحزب”. والحدث الثاني هو انعقاد المجالس العاشورائية الموسمية. وفي هذا الصدد يعرف “العارفون” أنه جرت العادة عند بعض الشيعة إظهار موقف مسيحي متعاطف مع الحسين مقابل “العدو السنّي”. ولا ننسى أن البعض رأى في وثيقة التفاهم الشهيرة بين عون ونصر الله تأكيداً واستمراراً لهذا التضامن منذ الحسين مروراً بالموقف من السلطنة العثمانية.

أخيراً، وهنا مربط الخيل، فإن الرئيس وجماعته يعرفون حقيقة مشاعر الغُبن والإحباط التي تسود وسط أهل السنّة في لبنان منذ سنوات وسنوات، وهي مشاعر ما فتئت تتصاعد وما زال الحكم يُغذّيها بممارسات معادية واستنسابية رهيبة. ويعرف العونيون حَرَج الرئيس الحريري في مواجهة تطلبات وضغوط قاعدته الشعبية، وهم دأبوا منذ زمن سابق على اختزال السنّة بداعش والإسلام السياسي وعلى القيام بكل ما من شأنه استثارة مشاعر السنّة، ويعرفون ماذا تعني الخلافة العثمانية لأهل السنّة، فكانت هنا القشّة التي قصمت ظهر البعير، إذ استدعى كلام الرئيس ردود فعل شعبية من العيار نفسه فاندلع الانقسام القديم – الجديد.

○ هل في هذه المواجهة الحامية، يستطيع فريق مسيحي أن يذهب إلى هذه الحدود من المغامرة في صيغة وروحية الميثاق الوطني والعيش المشترك عبر الانخراط في تحالف الأقليات؟

  • نعم التيار العوني يذهب منذ فترة في هذا الاتجاه من تعميق للانقسام لأنه يبني عليه سياسة كسب القاعدة المسيحية التي يحوِّلها إلى أقلية خائفة على مصيرها وسط محيط متلاطم الأمواج، خصوصاً حين يُبرز لها الموقف السنّي الذي يحنّ إلى الدولة العثمانية وعبد الناصر وعرفات… إلخ. وقد عمل التيار العوني في السابق على إبراز التماهي بين السنّة (بمن فيهم تيار الرئيس الحريري نفسه) مع تنظيم “القاعدة” و”داعش”… بحيث يصبح المسيحيون أمام موقف الدفاع عن النفس عبر “حلف الأقليات” وعاموده الرئيس نظام الأسد. وهذه السياسة الانتحارية تعززها أوهام انتصارات (بعضها يحققها التحالف الروسي الإيراني في سوريا) تجعل صاحبها لا يعي أنها قد تطيح بها معادلات أخرى مفاجئة. فكل من يركب مركب المغامرة يعتقد أنه سيصل. ألم يَركب كمال جنبلاط مركب المغامرة حين اقتحم جبل صنين ووصل إلى مشارف بكفيا؟ ألم يَركب بشير الجميل مركب المغامرة حين تحالف مع إسرائيل للوصول إلى الرئاسة؟ ألم يَركب إيلي حبيقة هذا المركب حين عقد الاتفاق الثلاثي 1985 وانقلب مِن متعامل مع إسرائيل إلى متعامِل مع سوريا… وهكذا؟

○ معاودة نبش الرئيس عون الذاكرة في شكل انتقائي هي جزء من رغبته في إطلاق رسائل ذات بعد إقليمي – دولي في هذه اللحظة. إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا الأداء؟

  • إطلاق هذه الرسائل التي تنبش الذاكرة الجماعية الطائفية انتقائياً يُؤمِّن موقعاً تفاوضياً لتمهيد الطريق لرئاسة صهره بعد 3 سنوات. فهو يُدخل لبنان ضمن الحلف السوري – الإيراني – الروسي ما يجعله يفاوض أمريكا وأوروبا من موقع دلال، إذ يستطيع قبض الثمن لاحقاً مقابل تنازلات لن يكون هو مسؤولاً عنها. ففي حال نجح التفاوض الأمريكي – الإيراني ستقدِّم إيران تنازلات، أو ستحصل على مكاسب، وفي الحالتين “التيار العوني” جاهز للاستفادة، وفي حال فشل هذا التفاوض فإن الغرب سيحاول تحييد لبنان عن نتائجه الكارثية. ولكن هل هذا مضمون إلى الآخر؟ ألم ينتبه العونيون إلى معنى العقوبات على “بنك جمَّال” أو إلى تسريب أحاديث عن شمول العقوبات جبران باسيل وغيره. لذلك قلت إن على حكماء المسيحيين تدارك هذا الوضع لئلا يدفعوا الثمن لاحقاً كما حصل لهم مراراً بسبب سياسات بعض قياداتهم.

○ لماذا تجاهل الرئيس اللبناني الجانب المضيء من مخاض ولادة “لبنان الكبير” كإنجاز لبناني – ماروني شكَّل رافعته البطريرك إلياس الحويّك؟

  • تجاهَلَ الرئيس واقعة أن إعلان “دولة لبنان الكبير” كان إنجازاً مارونياً بامتياز بطله البطريرك الحويك. ولكن البطريرك الحويك ورجال الموارنة في ذلك الزمن حرصوا على جعله أيضاً إنجازاً لبنانياً تجسَّد في العديد من المناسبات أهمها الميثاق الوطني 1937 والكتلة الدستورية وصولاً إلى معركة الاستقلال 1943. كما أن بقية الطوائف اختارت لبنان طوعاً وعلانية ولو بعد طول تردد (كما في طرابلس). وأن هذا الاختيار تحوَّل إلى ميثاق وإلى دستور وإلى دولة وكيان وتاريخ وعيش مشترك… إلخ. وبالتالي فالرئيس كان يُعيد نبش ذاكرة معيَّنة لدى المسيحيين الموارنة عن معارضة قسم كبير من المسلمين لنشوء هذا الكيان (ويتجاهل حقيقة معارضة قسم كبير من الأرثوذكس والكاثوليك بالمناسبة) ويجعل إنجاز الكيان محصوراً بالطائفة المارونية التي عليها أن تدافع عنه من جديد. والحال أن ردود الفعل الشعبية الإسلامية (غير الرسمية) ساهمت في تظهير هذه الصورة، خصوصاً مع صمت القيادات الإسلامية الرسمية التي كان متوقعاً منها أن تتكلم بصراحة وبقوة.

○ هل برأيك أن ثمَّة ندماً لدى مسيحيي عون على ضمّ الاقضية الأربعة إلى جبل لبنان وعدم البقاء ضمن لبنان الصغير؟ بمعنى العودة إلى حلف التماهي مع الكانتونات الطائفية أو الحكم الذاتي الذي يُشكّل اليوم أحد المخارج للأزمات الطائفية المستعرة في المنطقة؟

  • لا أظن أن مسيحيي عون يعرفون إلى أين تقودهم هذه السياسة. ولكن الأكيد أن التيار العوني، وخصوصاً رئيسه، يعرفون أنهم يقودون الأمور صوب حلف أقليات واضح يعمل على تعميق السيطرة المارونية على لبنان (بعنوان استعادة الحقوق) بتحالف وتواطؤ مع شيعة “حزب الله” ومع النظام السوري بالطبع وبحماية روسية إيرانية. هذه السيطرة هي ما يسعون إليه في ظل أوضاع إقليمية ودولية ملائمة. وليس الهدف فصل الأقضية الأربعة وبناء كانتون ماروني بل بالعكس السيطرة على لبنان الكبير كله عبر تقاسم السلطة مع الشيعة ضمن حلف الأقليات كما سبق القول. وقبل فترة ساد اعتقاد أن العونيين و”حزب الله” يريدون “المثالثة” ما يجعل الطائفة السنية ضعيفة في مقابل تحالف الشيعة والموارنة. ولكنني أعتقد أنهم تخلّوا عن هذا الاحتمال بسبب انقسام المسيحيين أنفسهم بين تيارات وقيادات يرفض معظمها السياسة العونية، كما انقسام الشيعة بين حركة “أمل” و”حزب الله”، ومعلوم مبلغ عداء حركة “أمل” للرئيس عون وتياره وصهره. وكذلك عداء التيار العوني ورئيسه لكل ما له صلة بحركة “أمل”. ويراهن العونيون على أن أمريكا والغرب يخافون من السنّة وتعتبرهم النخبة الغربية خزاناً احتمالياً دائماً لنزعات التطرّف الدينية أو العروبية. وهذا الخوف يجعل الغرب متردداً في مواجهة السياسات الأقلوية. ولا ننسى أن الغرب كان يُحبِّذ تقليدياً وتاريخياً حكم الأقليات في بلادنا لسهولة السيطرة عليها.

○ أي فائدة يجني حلف الرئيس من إعادة تأجيج صراع داخلي بخلفيات طائفية ومذهبية؟ والمقصود هنا السنّة الذين يشعرون في هذه المرحلة أن ثمة مظلومية تطالهم لغياب زعاماتهم التاريخية على رغم أنهم أمّة وعدد ومدد؟

  • لا ننسى أن الرئيس عون وجماعته كسبوا جولات من خلال هذه السياسة. فلولا هذا الابتزاز والتهديد الدائم بالطائفية وتوتير الجو السنّي لما تنازل الرئيس الحريري باعتباره هو و”14 آذار” أم الصبي كما يقولون. هذه المسألة يتقن العونيون العزف على أوتارها. فلنقرأ تاريخ تراجعات الرئيس الحريري وجماعة “14 آذار” في وجه تصلّب وعدوانية التيار العوني وحلف “8 آذار”. العونيون وحلفهم يعرفون أن الانهيار العربي المخيف من حولنا لا ولم ولن يساعد الحريري على الثبات والصمود وقلب الطاولة، وأن تيار المستقبل وحلفاءه لن يدخلوا في مواجهة عنيفة معهم في ظل موازين قوى مختلة ووضع عربي منهار. كما أن التيار العوني يستند إلى سلاح “حزب الله” وعضلاته. لقد نجحوا حتى الآن في تأليب قاعدة كبيرة من السنّة ضد قيادتهم السياسية والدينية بعنوان المظلومية، وعدم قيام هذه القيادات بما هو مطلوب لحماية حقوق السنّة في حين يرون كيف تحمي القيادات الأخرى حقوق طوائفها. ونجحوا حتى الآن في إظهار ضعف وتردد القيادة السنيّة في غياب شخصيات من مستوى القيادات التاريخية التي أسست الكيان اللبناني وأسست المشاركة والتوازن، من رياض الصلح وسامي الصلح إلى صائب سلام ورشيد كرامي، إلى رفيق الحريري.

○ ما الهدف من خلق اصطفاف سنّي- سنّي راهناً على المستوى اللبناني في ظل المواجهة الدائرة مع الإسلام السياسي، والتنافس أو الصراع بين تركيا بما تمثله من حلم العودة إلى الإمبراطورية العثمانية والعمق العربي الذي تعبِّر عنه السعودية ومصر؟

  • هدف العونيين هو خلق الاصطفاف السنّي – المسيحي أولاً على قاعدة طائفية دينية تصل إلى حد رفض الآخر من الجانبين. وهذا يسهّل خلق الاصطفاف السنّي – السنّي بالاستفادة من التصعيد السعودي – الإماراتي – المصري ضد الإسلام السياسي من جهة، وضد قطر وتركيا من جهة أخرى. بحيث يكون من الصعب على سنّة لبنان طرح ضرورة التعاون مع تركيا أو قطر لأنها مرفوضة عند السعودية ومصر والإمارات. وبالتالي فإن الوضع جد خطير بالنسبة إلى السنّة: فهم بين فكيّ كماشة. الوضع العربي الرسمي فيه اصطفاف معيّن تقوده السعودية والإمارات ويضع تركيا وقطر والإسلام السياسي عدواً له، ويتهاون لا بل ويتحالف مع العدو الصهيوني. والوضع المصري في واد آخر بعيد عن هموم المسلمين والعرب، ومتضامن مع السياسة السعودية الإماراتية في الهجوم على الإسلام السياسي وفي التعاون مع أمريكا وإسرائيل. والغرب يضع كل بادرة مقاومة شعبية حتى ولو سلمية تحت عنوان الإرهاب، وبالتالي فإن سنّة لبنان وسعد الحريري في وضع لا يُحسدون عليه، وهذا يُدركه العونيون ويُراهنون عليه ويواصلون الضغط على هذا الوضع لانتزاع المزيد من التنازلات.

○ بالتالي كيف يمكن قراءة تصاعد أصوات لبنانية للدفاع عن “العثمانية”، وعلى قاعدة أي حساسيات يمكن فهم ذلك؟

  • نعم تصاعدت أصوات إسلامية تدافع عن تركيا والدولة العثمانية، لأنها برأيهم آخر حصن دفاعي عنهم. وتاريخياً لم ينسَ السنّة، وخصوصاً أهل بيروت وصيدا وطرابلس، يوم كانت مدنهم مركز الولاية، ودرَّة الشرق والمتوسط، قبل نشوء الكيان اللبناني. الزمن العثماني كما الخلافة حلم ووهم ويعرف الناس ذلك طبعاً، ولكن رفع شعارات العثمانية وحب تركيا مجرد تعويض عاطفي نفسي عن فقدان الناصر والحليف وهم كانوا تاريخياً يعتمدون على الدعم المصري والسعودي والفلسطيني والعربي عموماً. فمع انهيار الحائط العربي الذي كانوا يستندون إليه، وتفاقم تناقضاته وصراعاته من ليبيا إلى اليمن (كمثال)، وغياب القيادات اللبنانية السنيّة القوية القادرة على استعادة زمام المبادرة، يبقى التمسك بالحلم والوهم مخرجاً نفسياً عاطفياً.

○ رغم أن ردَّ وزارة الخارجية التركية على كلام الرئيس عون، اعتبرته الخارجية اللبنانية وقحاً وغير مستساغ، مَن الذي يدفع إلى هز العلاقة مع تركيا، ولأي حسابات؟

  • هزُّ العلاقات مع تركيا مفيد لسوريا وإيران تحديداً ولموسكو أيضاً خصوصاً في ما يتعلق بالملف السوري اليوم ومعركة إدلب وما يدور من حولها.

○ يقول الكاتب حازم الأمين: “يجب انتزاع المسيحيين من العونيين فوراً، فرهن مستقبل جماعة مهمة للبنان بعملية توريث يجب أن تتم على نحو سريع، هو عملية تشمل خطورتها كل اللبنانيين، وبشكل خاص جبل لبنان”، فهل وصل المسيحيون اللبنانيون إلى هذا الخطر؟

  • نعم الخطر كبير على المسيحيين، وهذا ما قلته وما قاله حازم صاغية وحازم الأمين والياس خوري وغيرنا… يجب انتزاع المسيحيين من براثن العونية هذا صحيح. ويجب التصدي بقوة وحزم لمؤتمر الأقليات الذي يعتزم جبران باسيل عقده في لبنان. ويجب إقامة تحالف عربي واسع من المسيحيين اللبنانيين والسوريين والعراقيين والفلسطينيين والأردنيين والمصريين الرافضين لهذه السياسات الانتحارية التي ستودي بالأوطان وبالطوائف. ويجب لذلك التأكيد على تحييد لبنان عن الصراع الخليجي، والصراع السعودي – التركي وإنجاز المصالحة الفلسطينية وإخماد كل هذه الصراعات. ولعل هذا سرّ زيارة وليد جنبلاط المفاجئة لمصر. إن لبنان لا يستعيد عافيته إلا إذا كان العرب موحَّدين متضامنين. ولبنان يفقد قيمته ودوره في ظل الانهيار العربي.

○ أي مستقبل ينتظر اللبنانيين في ظل عدم وجود قراءة موحَّدة للتاريخ أو قراءة مشتركة وعدم القدرة على وضع التاريخ في خدمة أخذ العِبر والدروس من أجل تفادي الوقوع مجدداً في المحظور والتمهيد لبناء أرضية مشتركة تُسهم في مزيد من الانفتاح بدل التقوقع، والتنوير بدل الانعزال؟

  • يمكن للناس في كل مكان وزمان الاتفاق على بناء حياتهم المشتركة وتوحيد مجتمعهم وإقامة دولتهم حتى ولو كانت لهم قراءات مختلفة للتاريخ. التاريخ اللبناني هو تاريخ جماعات مختلفة لها ذاكرات جماعية مختلفة ولا يمكن توحيدها، بل يتوجب القبول بتعدديتها والانطلاق من نقطة ما لكتابة تاريخ الناس الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، التاريخ اليومي النابض بالحياة وليس التاريخ الأيديولوجي وليس تاريخ ذاكرة واحدة. المشكلة أننا بنينا لبنان على ذاكرة واحدة استبعدت وأقصت ذاكرات طوائف ومناطق أخرى.

لم يحسب البُناة أي حساب لذاكرة أهل بيروت وطرابلس وصيدا، ولا لذاكرة أهل الجنوب والبقاع، وكأن لبنان كان فقط جبل لبنان. اليوم هذا صار من الماضي. لبنان ليس المتصرفية ولا القائمقاميتين. لبنان اليوم 10452 كلم2 فيها تنوع واختلاف وفيها تعايش وتضامن، وفيها تواريخ وذاكرات وثقافات وحساسيات. هذه كلها تُشكّل أهل لبنان، أما الدولة فحديث آخر. لبنان الأيديولوجيا والجماعات والتواريخ والذاكرات والجماعات الأهلية شيء ولبنان الدولة والوطن شيء آخر. لم يتأسس لبنان منذ قديم الزمن كما تقول الخرافة الفينيقية أو اللبنانية، إنما تأسَّس حين تأسست دولته وقام دستوره ومؤسساته. فلتكن سنة “إنشاء لبنان الكبير 1920” هي نقطة البدء، أو فلتكن “سنة الميثاق والاستقلال الوطني 1943″، أو فلتكن “سنة الطائف والدستور الجديد 1989 – 1990”. لا يهمّ متى وُلد لبنان الدولة والوطن، فهناك دول وُلدت قبل بضعة أعوام ليس إلا، ودول غيرها انهارت وانتهت. يجب أن يتوقف هذا الخلط المُعيب والخطير بين لبنان الناس والجماعات والطوائف والأيديولوجيا والأساطير والحكايات والأغاني، وبين لبنان الوطن والدولة والمؤسسات والحاضر والمستقبل. لا بدّ من الاتفاق على نقطة زمنية تاريخية يتأسس عليها لبنان الجديد ودولته. اليوم كل المسلمين السنّة قالوا ويقولون “لبنان أولاً”. ويعرف الشيعة في قرارة أنفسهم أن هذا اللبنان هو الذي ضحّى من أجله أجدادهم، وهو الذي شارك موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين في بنائه وتطويره… وأن التحالفات الخارجية والاستقواء بعواصف من هنا وهلالات من هناك، لا تدوم، وإنما يبقى لهم أرضهم ووطنهم وعيشهم المشترك مع إخوانهم. كما أنه ليس للدروز غير هذا اللبنان الذي شاركوا في تأسيسه، وكذلك الأرمن والكاثوليك والأرثوذكس والسريان والكلدان والبروتستانت… فلا يجوز عودة عقارب الساعة إلى الوراء… ولا يعني هذا ولا يقتضي أن يتخلّى السنّة والدروز أو الموارنة والأرمن والكاثوليك والأرثوذكس والسريان والكلدان والبروتستانت عن ذاكرتهم الجماعية وثقافتهم المميزة وعواطفهم ومشاعرهم تجاه العثمانية أو العروبة أو القضية الفلسطينية أو السورية. كما لا يتطلب ذلك منهم التخلي عما يعتقدون أنه مقدساتهم وخصوصياتهم. إن المطلوب هو هذا الوعي الذي يتجاوز مسائل الهويات القاتلة من لبنانية وفينيقية وسورية وعربية ومسيحية وإسلامية وعثمانية وغيرها، لنؤسس هوية وطنية جامعة متصالحة مع كل الهويات المُشكِّلة للجماعات والاختلافات والذاكرات… وعلى قاعدة الدولة المدنية الديمقراطية العادلة وحكم القانون والمؤسسات. قد يأخذ هذا الأمر وقتاً طويلاً للعودة إلى لبنان وبناء سلم أهلي راسخ وحقوق مواطنية سليمة، لكن المهم هو العمل والأمل. وفي هذا فليتنافس المتنافسون.

القدس العربي