//Put this in the section

”حزب الله” يكسر الخطوط الحمر ويُمسك بالقرار كيف ستكون المواجهات في الجنوب والمنطقة؟

ابراهيم حيدر – النهار

لم يعد سراً أن “حزب الله” أراد من عملية أفيفيم الأخيرة الإثبات أنه قرر ألّا يسكت عن اي ضربة إسرائيلية، بما يعني ذلك من اعتبارات تتصل بالقرار الدولي 1701، وللتأكيد مجدداً أنه قادر على المواجهة من ساحته اللبنانية، لكنه في الوقت عينه لا يريد الإنزلاق إلى حرب مفتوحة، وإن كانت محتملة إذا تبين أن ثمة حسابات إقليمية تغذّيها، واستهدافات إسرائيلية للحزب ولبنان. وقد جاء إثبات الحزب لقدراته عبر تغيير مسرح المواجهات وجغرافية العمليات، إذ إن العملية الاخيرة حصلت من “الخط الأزرق” دون اجتيازه، وبذلك غيّر الحزب قواعد الإشتباك من دون الغاء القرار 1701، طالما أن الرد كان محدوداً ولا يهدف إلى إشعال الجبهة، أقله في المرحلة الحالية، حيث سمة الردود ضربة مقابل ضربة.




جاء قرار “حزب الله” بإسقاط ما سمّاه السيد حسن نصرالله “الخطوط الحمر”، ليكشف وفق مصدر سياسي أن ما كان يهيئ له الحزب تحت القرار 1701، أعلنه بوضوح بعد العملية الاخيرة، أولاً ضد الاحتلال، وثانياً للقول في الداخل إن قرار الحرب هو الذي يحدده مع كل الملفات المرتبطة بالمنطقة، من المواجهة مع إسرائيل والاميركيين إلى ملفات الترسيم والتنقيب عن النفط، وكذلك الموقف الرسمي اللبناني الذي تماهى مع الحزب من دون أن تكون الدولة مرجعاً سيادياً. لكن ما يتجاوز العملية العسكرية للحزب هو الذي يجب أن يُنظر إليه، فوفق المصدر السياسي كان في إمكان “حزب الله” أن ينفذ عملية أوسع وأكثر إيذاء لجنود الاحتلال، لكنه قصد من عمليته رسالة أخرى تتصل بشد العصب وإعادة استنهاض جمهوره في مواجهة أي عدوان وكذلك العقوبات، إذ انه لم يستخدم صواريخه التي يعرف انها قد تؤدي الى حرب، ولم يكشف عن قدرات أخرى في مجال الصواريخ الدقيقة التي ينفي نصرالله وجود مصانع ومنشآت لتصنيعها.

يسير “حزب الله” على خطى محددة ليثبت للجميع أنه صاحب القرار في البلد. وإذا كان كل لبنان قد ندد بالعدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت، فإن الدولة في المقابل أخذت علماً بردّ الحزب قبل عملية أفيفيم. وإذا حصل عدوان إسرائيلي جديد، فإن الحزب سيسقط القرار 1701، وهذا ما يعنيه نصرالله بإسقاط الخطوط الحمر، طالما أنه في معركة مستمرة لا تتصل بمواجهة الاحتلال الإسرائيلي من لبنان فحسب، إنما في معركته في المنطقة كلها. لذا كان واضحا انه سيرد اذا تعرضت قواته في سوريا لهجوم إسرائيلي، كما سيرد من لبنان باعتباره ساحته الاولى، لكنها الساحة التي تتداخل فيها توازنات سياسية مختلفة، نجح الحزب حتى الآن في تطويع الأكثرية تحت “عباءته”، حتى حين يصرح أحد المسؤولين في الدولة فانه يغطي “حزب الله”، فيما رئيس الجمهورية ميشال عون يؤمن الغطاء السياسي الرسمي لحركة الحزب في المواجهة من دون أن يكون مقرراً فيها.

من الآن وصاعداً باتت الساحة اللبنانية التي شكلت منزلاً لـ”حزب الله” في مقاومته للإحتلال مسرحاً مفتوحاً لرده، منتزعاً تغطية رسمية، على رغم خطورة تحول الأمر في المواجهة “ضربة مقابل ضربة”، إذ هي تأخذ من رصيد الحزب كما تعرّض البلد لأخطار شتى إذا كنا نرى ما يحصل في غزة من دون تغيير المعادلة، فيصبح رد الحزب من لبنان مفتوحاً أيضاً على الجبهات الأخرى، ويكرس أحادية القرار والهيمنة، ويزيد ضعضعة الدولة التي لا تستطيع أصلاً أن تستعيد قرار الحرب والسلم نظراً الى ضعفها مقابل فائض قوة الحزب. وقد تشهد المرحلة المقبلة وفق المصدر مزيداً من المواجهات من دون أن تفجر حرباً، ما دامت الاطراف الإقليمية لا تريد اشتعالها راهناً، ومعها قد تتكشف قدرات أخرى للحزب تضعه فوق الدولة وتجعله أكثر قوة، إلى حد أن الملفات والاستحقاقات في لبنان ستكون في عهدة “حزب الله” الذي يقرر فيها أو يعطلها إذا كانت لا تستجيب لحساباته المحلية والإقليمية.

وأياً تكن المواجهات المقبلة التي قد تشهدها الجبهة الجنوبية، فهي لن تكون شبيهة بطريقة عمل المقاومة خلال الاحتلال الإسرائيلي، إذ إن الامور تغيرت، وتحول الحزب من مقاومة في منزله وساحته الى قوة لها امتداداتها الإقليمية، لذا يعتبر المصدر السياسي الذي يتابع تحولات “حزب الله” ان العملية الاخيرة التي يصفها نصرالله بالاستراتيجية وكسراً للخطوط الحمر، هي أقل من ذلك، وإن كانت لها وظيفة محددة ورسائل عدة، لكن ذلك يكرس معادلة أن الحزب هو الطرف الأقوى والقادر على قلب المعادلات في الحرب والسلم، وإن كان يتعرض لضغوط وعقوبات، فيما الدولة لا تستطيع اتخاذ القرار، ما يجعل الاحتلال الإسرائيلي يستمر في خرقه واستباحته للأجواء، ما دام يعرف أن رد الحزب سيكون في حدود تنفيذ ضربات مقابلة بلا عمليات مفتوحة.

صحيح أن الحزب غيَّر بعض قواعد الإشتباك، لكن القرار1701 ما زال موجوداً. وليس دقيقاً، والكلام للمصدر، أن الحزب كان رافضاً لهذا القرار عام 2006، انما اليوم بات هذا القرار ضعيفاً، وفي الاساس تعرَّض لخروق على مدى سنوات من إسرائيل. فإذا كان الحزب اليوم يتحكم بالقرارات اللبنانية المتصلة بالصراع مع إسرائيل، إلا أنه يواجه مأزقاً في استراتيجيته المرتبطة بالمرجعية الإقليمية. ولا ضرورة للتذكير بأن كل المجتمع الدولي يضغط على لبنان في ملفات رئيسية، فإذا كان الحرص على حماية البلد، فيفترض تحييده وتولّي الدولة القرار في هذا الشأن. أما وأن “حزب الله” لديه سياسته في معركته المفتوحة في المنطقة، فإن لا مكان لغيره وان كانت الدولة نفسها، ذلك بسبب تحوله الى سلطة مقررة لا مجال إلا أن يصطف الجميع في الصراع تحت عباءته. وهو اليوم من منطق السلطة يحدد السياسات ويقاتل وينفذ ويكسر الخطوط الحمر ويغير المعادلات وقواعد الاشتباك. لذا فالآتي قد يكون أكثر قسوة…