أسباب انكماش الائتمان المصرفي في لبنان ونتائجه

يشهد لبنان منذ بداية العام 2018 انكماشاً تدريجياً في الائتمان المصرفي بحيث أصبحت نسب نمو القروض المقدمة من المصارف اللبنانية الى القطاع الخاص المقيم سلبية بشكل إجمالي. فمقابل نحو 53.5 مليار دولار قروض للمقيمين بنهاية العام 2017، انخفض المبلغ الى 51.8 ملياراً بنهاية العام 2018، والى 49 ملياراً بنهاية شهر حزيران 2019. وهكذا، يكون الائتمان المصرفي قد انكمش بنسبة 3.1% خلال العام 2018 وبنسبة 5.5% خلال اول ستة أشهر من العام 2019، أي ان الانكماش المسجل خلال سنة ونصف سنة قد بلغ نحو 8.4%. مع الإشارة الى تفاوت الانكماش بين الإقراض بالليرة وبالعملات الأجنبية. ففيما سجل الإقراض للمقيمين بالليرة انكماشاً بنسبة 6.1% خلال 2018 وبنسبة 8.8% خلال اول ستة أشهر من 2019، انكمش الائتمان بالعملات بـ 1.6% و3.9% على التوالي. وهذا يُظهر أن منحى تخفيض الإقراض قد أصاب القروض بالليرة بشكل أكبر، ما يدل على ان عدوى عدم الثقة بثبات الليرة ربما انتقل الى المصارف نفسها. يُظهر الرسم البياني رقم 1 نسب تغيّر القروض للقطاع الخاص المقيم بين كانون أول 2004 وحزيران 2019. وهكذا، لم يُسجل الائتمان المصرفي خلال الفترة المذكورة انخفاضاً سوى خلال العام 2005 (الاستثنائي)، وعاميّ 2018 و2019.

أما ما هي أسباب هذا الانكماش في الائتمان، فيمكن نسبتها الى عاملين: تقييد مصرف لبنان للسيولة المصرفية ما أدى الى تراجع عرض الائتمان، وارتفاع الفوائد ما أدى الى انخفاض الطلب على الائتمان.




بالنسبة للعامل الأول، فقد جاء نتيجة لقرار مصرف لبنان تقييد قدرة المصارف على الإقراض، وذلك لأن جزءاً  من القروض المصرفية كان يتحول الى تمويل الطلب على الاستيراد (وبالتالي زيادة عجز الميزان التجاري وميزان المدفوعات). وجاء التقييد عبر زيادة الإحتياطي الإلزامي وعبر تشجيع المصارف على إيداع سيولتها لديه، ما أدى الى تضخم حجم ودائع المصارف لدى مصرف لبنان من 88 مليار دولار في بداية العام 2017 الى حوالى 143,5 ملياراً بنهاية شهر حزيران 2019. وهكذا تكون ودائع القطاع المصرفي لدى مصرف لبنان قد زادت بنسبة 63% خلال سنة ونصف سنة وهو ما أدى الى تقييد عرض الائتمان المصرفي بشكل كبير.

أما من ناحية الطلب على الائتمان المصرفي، فقد أدى الارتفاع الكبير للفوائد على القروض ابتداءً من أواخر العام 2017 الى تراجع هذا الطلب بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض. وفيما سجل متوسط فائدة الإقراض على الليرة معدل 7,98% في شهر تشرين الثاني 2017، بدأ هذا المعدل بالزيادة تدريجياً ليبلغ 10,94% في شهر حزيران 2019. مسجلاً زيادة بنسبة 23,2% خلال العام 2018، وبنسبة 9,7% خلال النصف الأول من العام 2019، أي بنسبة 35,2% خلال سنة ونصف سنة. وبموازاة ذلك، قفز متوسط فائدة الإقراض على الدولار من 7,32% الى 9,49% بين شهري تشرين الثاني 2017 وحزيران 2019. وهكذا، فقد بلغت نسبة الزيادة في فوائد الإقراض بالدولار خلال عام 2018 حوالى 11,7%، و10,7% خلال النصف الأول من العام 2019، والزيادة خلال سنة ونصف حوالى 23,7%. وعلى الرغم من أجواء عدم اليقين التي سادت خلال الفترة الماضية وبخاصة بنتيجة التأخر الكبير في إقرار الموازنة، وعلى الرغم من تخفيض وكالات التصنيف للبنان، فان ارتفاع الفوائد بهذا الشكل لا يعكس التغير في مستوى المخاطر، وهذا المستوى من الفوائد مبالغ فيه بشكل كبير وربما يعكس أجواء التنافس بين المصارف على رفع الفوائد على الودائع بهدف استقطابها. وهكذا، فقد أدت الزيادة الكبيرة في معدلات الفائدة الى كبح الطلب على القروض.

لا شك أن سعي مصرف لبنان الى الحد من الطلب المحلي على الدولار لتحويله الى الخارج سواء للاستيراد او “لتهريبه” بسبب أجواء عدم اليقين السائدة في لبنان، كان امراً ضرورياً من اجل الحدّ من تفاقم عجز ميزان التجارة وميزان المدفوعات. وبالتوازي مع ذلك، لا شك انه كان لهذا الاجراء مساهمة في تقييد التضخم. ولكن في مقابل ذلك، فإن لهذه السياسة اثاراً جانبية يجب التنبه لها حيث ان توازي تقييد الائتمان على جانبيّ الطلب والعرض هو تجسيد لسياسة نقدية انكماشية قاسية، تؤدي الى تراجع النشاط والنمو الاقتصاديين. مع الإشارة الى ان اعتماد الحكومة لسياسة تقشفية قاسية تجلت بموازنة 2019، سوف يكون له بالتأكيد أثر سلبي على النمو. وفي حين كان مفهوماً سعي مصرف لبنان الى موازنة السياسات “التوسعية” للحكومات السابقة والانفلات في الإنفاق عبر اعتماد سياسات نقدية تقييدية، فإن توازي سياسة الحكومة التقشفية المعتمدة حالياً وفي المستقبل مع استمرار مصرف لبنان في سياسته الانكماشية سوف يؤدي دون أدنى شك الى خنق الاقتصاد اللبناني أكثر ومفاقمة تراجع النشاط الاقتصادي، ما سيؤدي الى انخفاض حجم الناتج المحلي الاجمالي. وعليه، يتوجب اليوم مواءمة السياسة النقدية مع السياسة المالية تفادياً لتعميق الركود الاقتصادي.

علي عودة- باحث في الشؤون النقدية والمصرفية – المصدر: النهار