//Put this in the section

هل حيّد باسيل ارسلان لمصلحة جنبلاط؟

مجد بو مجاهد – النهار

كانت تعبيريةً بما يكفي، الصور الفوتوغرافية التي التُقطت في باحة قصر بيت الدين إبان الغداء العائلي الذي حلّ خلاله رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ضيفاً على مائدة رئيس الجمهورية ميشال عون. صور  غدت يقظة في عقل أبناء الجبل وأذهانهم، موضّبةً صور حادثة البساتين في أدراج بنك الذاكرة. وبذلك، قبع ما حصل في البساتين في الماضي الذي لا حاجة إلى استدعائه من العقل الباطني، طالما أن الوفاق شبه مسيطر على جبهة الحزب التقدمي و”التيار الوطني الحرّ”. وهذا ما يدفع إلى طرح تساؤلات جمّة حول التشابك السياسي الحاصل، وإسهامه في خلط الصور والأوراق السياسية، و”الحلّ أو الربط” بين تطوّرات العلاقة بين جنبلاط – ارسلان من جهة، وجنبلاط – باسيل من جهة ثانية، خصوصاً أن ثمة من يروّج إلى أن مدّ الجسور بين جنبلاط و”التيار” هي ورشة سياسية سيتكبّد تكاليفها النائب طلال ارسلان. فماذا يدور في كواليس هذه “الورشة” التي بوشرت مع قدّاس دير القمر؟




يتجاوز العونيون والجنبلاطيون الماضي، وهذا واضحٌ مذ بدأت مؤشراته تنجلي مع “الجلسة العائلية التي هي بمثابة مؤشّر جيّد”، وفق مصدر مطلع في  التقدمي. وقد لمس الحزب نيّات حسنة لدى باسيل ورغبة في التقرّب وطيّ الصفحة، فيما أبدى جنبلاط الاستعداد الكامل للتعاون الذي ليس هو موضوع تحالفات بقدر ما يصبّ في مصالح البلاد الاقتصادية والاجتماعية.

ليس غداء بيت الدين بداية مرحلة جديدة من العلاقة بين العهد وجنبلاط، بل إنه جزء ثانٍ من المرحلة الجديدة ذاتها التي كانت بدأت مع حلقات التنسيق واللقاءات الودية التي جمعت وكلاء داخلية “التيار” والتقدمي وما لبثت أن نضجت في قدّاس دير القمر مع مصافحة شهيرة بين رئيسي الحزبين، على ما يرشح من مقاربة أوساط عليمة في “التيار الوطني”. وتلا هذا الحدث تعاون بين الحزبين في ملفات وزارية ونيابية عدّة. قطعت أحداث البساتين أفق التلاقي، لكن ما لبثت الجَمعة العائلية في بيت الدين أن أعادت وصل شريط الأحداث، وكأن طريق بيت الدين أكملت درب دير القمر في السياسة كما في الديموغرافيا. وتقول الأوساط البرتقالية لـ”النهار” إن “الغداء من شأنه المساهمة في غسل القلوب، وهذا واضح في ظلّ حضور رئيس الجمهورية”. وقد حضر النائب تيمور جنبلاط، الذي يعوّل التيار على دوره المستقبلي الذي من شأنه أن يفتح آفاقاً إيجابية في التعاون بين المكوّنين، خصوصاً وأنه ليس اللقاء الأول الذي يجمع باسيل بوارث الزعامة الجنبلاطية، ويبدو أن ثمة ثناء واضحاً على هذا الشاب.

هل تعني هذه الأجواء بأن ارسلان “حيّد على جنب”؟ وبعبارة أخرى، هل حيّد باسيل ارسلان لمصلحة جنبلاط؟ في رأي أوساط سياسية متابعة، إن “التيار” كان قد “حيّد ارسلان ساعة تمّ الترويج أولاً إلى نظرية المكمن التي تستهدف الوزير صالح الغريب، ومن ثم طُلب منه أن يتنحى جانباً بعدما بات باسيل هو المقصود بالمكمن المزعوم”. ويتلاقى هذا الرأي مع تحليلات تشير إلى أن ارسلان هو من سيدفع فاتورة أي تقارب عوني – جنبلاطي، خصوصاً أنه بات منضوياً في التكتّل الباسيلي من جهة، وأن أي مكاسب سياسية سيحققها في التعيينات أو سواها، ستمرّ بموافقة جنبلاط من جهة ثانية.

تنسف مصادر “التيار الوطني” نظرية التضحية بأرسلان أو التخلي عنه. وتكشف بأن “شيئاً لم يحصل إلا بالتنسيق التام مع المير وحزبه، فليس من عادات التيار التخلّي عمّن وقف إلى جانبه وكان جزءاً من تكتّله”. كما أنها تدحض نظرية أن التقارب مع التقدمي سيتم على حساب “القوات اللبنانية”. وتلفت إلى أن “التقارب لا يضرب القوات، ومن يلغي نفسه يفعل ذلك لقلّة عمله. لم نتعامل سياسياً على قاعدة التقرّب من فريق للربح على آخر، منذ التوافق مع حزب الله عام 2006 الذي لم يصدّقه البعض، حتى توافقنا عام 2016 مع تيار المستقبل، ما أكّد أن الاتفاق مع الحزب لم يأتِ على حساب فريق آخر”. أما الحرب “التويترية” مع “القوات” فتأتي “رداً على مواضيع لا بد أن تتوضح معالمها للناس عندما يحدث تهويل وتحريف للحقائق واتهامات باطلة. فنحن في موقع الدفاع ولا نتهم أحداً بالإلغاء، بل نسعى إلى أكبر توافق ممكن”.

وعليه، لم يبقَ ما يعكّر صفو هذه اللوحة السياسية الهادئة، سوى اشتباك الشويفات الأخير بين عنصري التقدمي والديموقراطي الذي وقع بعد ظهر الأربعاء. هذا الحادث “عابر” وشخصي أكثر منه حزبي، وهو لن يؤدي بأي شكل إلى تأجيج صراع جديد بين بوّابتي خلده والمختارة. وفي السياق، علمت “النهار” أن “جنبلاط أعطى توجّهاً حازماً بضرورة التهدئة ولجم التصعيد، وهي ليست المرّة الأولى التي يضحّي فيها حفاظاً على وحدة الصفّ”. إذاً، حُصرت الحادثة بشكوى قانونية قدّمها التقدمي. ويتجنّب التقدمي زيادة “الدوز” على ارسلان، أو تضخيم ما حصل، خصوصاً أن إجراءات عمليّة يأخذها على عاتقه الرئيس نبيه بري، من شأنها أن تسكب مزيداً من المياه على علاقة جنبلاط وإرسلان. ويتلمّس التقدمي نيات واضحة لدى ارسلان بتبني خيار التهدئة أيضاً.

من جهته، يعتبر الحزب الديموقراطي تعقيباً على الحادثة أن “العنصر الاشتراكي تقصّد المرور أكثر من مرّة أمام سيارة أحد العناصر المولجين بحماية السرايا الأرسلانية في الشويفات والتي كان بداخلها العنصر المعني، بقصد استفزازه، ما استدعى بأن يبادر العنصر إلى سؤاله عن سبب هذا الاستفزاز ليردّ بصوت مرتفع. ثم التقيا بسيارتيهما، فما كان من العنصر الاشتراكي إلا أن اصطدم عن قصد بسيارة العنصر المولج حماية السرايا الذي قام كردّة فعل على الاستفزازات المتواصلة بتبادل الصراخ معه وحمله عصاً كانت موجودة في المحلّة بغية ردعه، فما كان من العنصر الاشتراكي إلا أن أقدم على إطلاق النار باتجاه العنصر الذي ردّ عليه بالمثل مطلقاً النار بالهواء”.

إذاً، يعود الأطراف السياسيون إلى قواعدهم سالمين، مع مساعٍ لتهدئة الأوضاع الداخلية. ويبدو جنبلاط في طليعة هؤلاء الذين اهتموا بقراءة المقررات الاقتصادية في اجتماع بعبدا. وعندما تُسأل مصادره عن السبب، تجيب بأن “الوضع يفرض على الجميع أن يأخذوا المصلحة العامة في الاعتبار… والهدف هو إنقاذ البلاد!”.