سيّارات بمئات الملايين معفاة من رسوم الجمارك… من يسعى إلى استغلال حقوق المعوّق؟

اسكندر خشاشو – النهار

فجّرت المناقشات في لجنة الصحة النيابية ما يشبه الفضيحة، تمثلت بالكشف عن مستندات تؤكد دخول عشرات السيارات الفخمة وباهظة الثمن خلال سنة واحدة بأسماء أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة معفاة من رسوم الجمارك، مما دفع اللجنة إلى تبني قانون بتعديل المادتين 85 و86 من القانون 220/2000 المتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، ووضع حد أقصى لسعر السيارة المعفاة بقيمة 40 مليون ليرة من بلد المنشأ أي نحو 60 مليون ليرة في السوق المحلية.




وبالعودة الى قانون 220/2000 المتعلق بالأشخاص المعوقين والذي يمنح الشخص المعوق حق الإعفاء من الرسوم الجمركية على السيارة الخاصة، فقد ورد في المادتين 85 و86 منه التالي: “تعفى من الرسوم والضرائب وسائل النقل الفردية والجماعية الخاصة بالمعوقين، شرط أن تكون الجهة المستوردة إما الشخص المعوق لاستعماله الشخصي أو جمعية معوقين أو جمعية خدمات، على أن تنقضي خمس سنوات قبل شراء سيارة أخرى كما تعفى من ضريبة التسجيل في مصالح تسجيل السيارات وسيلة نقل واحدة لكل شخص معوق حامل بطاقة المعوق الشخصية سواء سجلت باسمه أم باسم والده أو والدته أو أحد أولاده أو زوجه أو زوجته متحدين أم منفردين. ويقدم طلب على إفادة صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية.

إلا أن إدارة الجمارك ولغاية منتصف سنة 2017 كانت تعتمد تمييزاً في التعامل مع الإعفاءات الجمركية للأشخاص المعوقين، مستندةً إلى شروط كان قد وضعها وزير المالية الأسبق فؤاد السنيورة وتحصر حق الاستفادة من الإعفاء الجمركي لمصلحة الأشخاص الذين يستطيعون قيادة السيارة بأنفسهم، وبطبيعة الحال لا يمكن تطبيق شروط السنيورة على الأشخاص المكفوفين وغيرها من الحالات.

في منتصف عام 2016 تمكن المحامي ميشال حنوش ( يعاني من اعاقة بصرية) من أن يحصل على حكم من مجلس شورى الدولة يقضي بإبطال قرار السنيورة، إذ أكد أن أحكام القانون 220 مطلقة ولا تتضمن أي تمييز. كما أكد أنه وفقاً للقانون لم تُحدّد حالات معينة من الإعاقة الجسدية تستفيد حصراً من الإعفاء وأنه لا يستقيم قانوناً تفسير عبارة “استعماله الشخصي” بأنها تفيد قيادة السيارة بصورة شخصية من الشخص المعوق بالذات. وبعد الحكم توجه حنوش بكتاب إلى المجلس الأعلى للجمارك بهدف تنفيذ الحكم القضائي، طالباً فيه تعميمه على كافة الحالات المماثلة وبالفعل، أجاب مدير الجمارك الحالي بدري ضاهر على كتاب حنوش، واتبعت الصيغة الجديدة على جميع حاملي البطاقات.

ولكن ككل شيء في لبنان حتى الفئات الضعيفة والمهمشة يُتحايل عليها وتُستغل كما يمكن لمجموعة صغيرة من هذه الفئات أن تؤثر على مجمل المجموعة وتجعلها تحت الضغط والمراقبة وحتى الشبهة.

وفي هذا الإطار، أكد عضو لجنة الصحة النيابية ومقدم مشروع قانون وضع سقف للإعفاء، النائب علي المقداد، لـ “النهار” أن “هناك من يستغلون الأشخاص من ذوي الحاجات الخاصة ويستغلون ضعفهم وربما حاجتهم ليشتروا سيارات فخمة من بطاقاتهم الصادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية”، كاشفاً انه وردته معلومات عن تجار سيارات يرشون بعض حاملي البطاقات لاستعمال بطاقاتهم من أجل جني ارباح هائلة مستفيدين من الإعفاء الجمركي لسيارات بمئات الملايين”.

واعتبر المقداد أن “عمليات كهذه تكلف الدولة مئات الملايين من الإهدار بسبب عدم الاستفادة من الإعفاء بطريقة ملتوية”، لافتاً الى انه “في عام 2019 أدخلت سيارة “لامبرغيني” سعرها بحسب الجمارك 664 مليون ليرة معفاة من الضريبة وسيارة أخرى من نوع “رولز رويس” ثمنها 567 مليون ليرة وسيارة ثالثة سعرها 448 مليون ليرة وعدة سيارات اخرى يبلغ ثمن الواحدة منها فوق المئة مليون ليرة”.

وأضاف “بحسب الوثائق التي أملكها، أدخلت خلال أقل من سنتين أكثر من 300 سيارة عبر بطاقات ذوي الحاجات الخاصة ومن ضمنها عشرات السيارات يفوق سعرها الـ 200 او300 مليون ليرة، اي بما يعادل سعر سيارة بنحو 500 مليون ليرة في السوق اللبنانية، وهذا ما يطرح أسئلة عن هذا العدد الكبير من ذوي الحاجات الميسورين الى هذه الدرجة”، مشيراً الى انه “واذا اعتبرنا ان هذا العدد صحيح لا بد من مراجعة وتحميله جزءاً من الضريبة”.

وعن الجهة المخولة الضبط، اعتبر المقداد أن “القانون يسمح للشخص من ذوي الحاجات الخاصة أن يستورد سيارة من دون جمارك ويستعملها شقيقه أو والده أو سائق وهو من دون ضوابط، الامر الذي استغلته جهات عدة”، موضحاً أن “القانون الذي قدمه ضمن لهم الحق أن يسّيروا أمورهم وأن يكون سعر السيارة تقريبا نحو 40 مليوناً من بلد المنشأ بدون جمارك أي ما يعادل 60 مليون ليرة في السوق اللبنانية، وهذا أمر كاف لهم بأن يقودوا سيارة بمواصفات جيدة”، آملاً في أن يقر في أولى الجلسات التشريعية في الهيئة العامة في تشرين الأول”.

في المقابل، ترفض رئيسة الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين سيلفانا اللقيس اي تحديد لسقف الإعفاء، “وخصوصاً أن سعر السوق متغيّر كل سنة بحسب قدم السيارة، كما أن القوانين اللبنانية تمنع استيراد سيارة عمرها أكثر من 5 سنوات”، مشددة على أن “الوصول لهذا الحق استوجب مطالبات وتظاهرات وحتى نضالات لتثبيت الحق المنقوص باقتناء سيارة معفاة جزئياً من الجمارك”.

وأكدت اللقيس لـ”النهار” أن “الدولة تضع العديد من الضوابط للحصول على بطاقة معوق ومثلها للحصول على سيارة، فهم يطلبون مواصفات السيارة وتفاصيل عنها قبل الموافقة عليها، كما أن الجمارك تضع امامنا العديد من العراقيل قبل الحصول على السيارة، ملمحة أن عمليات إدخال سيارات فخمة كهذه لا يمكن ان تمر من دون تغطية سياسية، هذه مشكلة إدارة وفساد، لا نحملها نحن”.

ولا تنفي اللقيس حصول بعض عمليات الاستغلال من عائلة المعوّق أو من المقربين منه أو الأبعدين لكن تبقى حالات فردية لا يمكن تعميمها على الجميع وخصوصاً على الفئات الضعيفة، مطالبة من يريد ضبط هذه الأمور البدء بسيارات النواب والوزراء والإدارات ولاحقاً نتكلم عن سيارات ذوي الحاجات الخاصة”.

وشددت اللقيس على أنه “من الممنوع طرح أي موضوع يتعلق بالمعوقين من دون مشاركة عميقة وفاعلة لجمعيات وممثلين عنهم”.

كلام اللقيس حول مواصفات السيارة والقيود رفضتها وزارة الشؤون الاجتماعية التي أكدت مصادرها أن دورها ينحصر في التأكيد على صحة البطاقة الصادرة عنها وبالتالي أحقية حاملها في الحصول على السيارة من دون الدخول في تفاصيل السيارة ومواصفاتها وسعرها.

إلى ذلك، أشارت مصادر في الجمارك إلى دخول عدد كبير من السيارات باهظة الثمن معفاة من الجمارك (يدفع 5 في المئة من رسم الجمارك زائد Tva) عبر بطاقات معّوق، لافتة الى أن “القانون لم يضع سقفاً لاسعار هذه السيارات وبالتالي لا قدرة لدينا على توقيف اي معاملة”.

وأكدت أن “الجمارك تحركت منذ فترة وأرسلت عدة اقتراحات لوزير المال لضبط هذا الامر وربما مشروع القانون المقدم حديثاً يفي بالغرض”.

وفي المحصلة تملّص الجميع من المسؤولية ووضعوها في القانون فالجميع ينّفذ القانون ويعرف كيف يطوعه لمصلحته وينفد منه، وأضحى من الضروري وضع ضوابط لهذه القوانين وخصوصاً تلك التي تسهدف الفئات الضعيفة لتحميها وتحفظ لها حقها ولا تجعلها عرضة للتجار والطامعين”.