… ولمن يشكو اللبناني البائس؟ – الياس الديري – النهار

الدولة الدولة الدولة، أين الدولة؟ أين المؤسّسات؟ أين النظام؟ أين القانون؟ أين السلطة؟ أين العدالة؟ كلُّ واحد ساعدته الظروف مالياً من صخور، أو جبال، أو بحر، فتح مشروع دولة، كما يقول الناس، وكما تروي تحقيقات بعض التلفزيونات، حول الجبال والبحار، والرمال بأنواعها، فضلاً عن مليارات الصفقات وصفقات المليارات.

حين يسمع الناس أحاديث التلفزيونات وتحقيقاتها، أو بعضها، عما يحصل براً جبلاً بحراً، وكيف يفعل الفلتان فعله، لا يعود أحد يستغرب أو يستعجب: فالتة، أو سارحة، وما من أحد يرعاها، أو يردعها. آمال الناس زمَّت. تضاءلت. أما القرارات فعيارها الوحيد بات في حاجة الى التنفيذ. ما أكثر القرارات المنطوية تحت غبار الرفوف. للتأجيل أو النسيان. لا داعي للاستعانة بالبراهين. لكنهم وجدوا أن الازدهار المالي مناسبٌ تماماً لتنفيذ قانون الايجارات. والناس تفتش عن لقمة العيش والسترة.




ليس القصد تسجيل مآخذ باتت من تحصيل الحاصل. الوضع اللبناني في أسوأ حالة اقتصادية. عرفها اللبنانيون. وفي أسوأ حالة لجهة الأمن بمستجداته مع إسرائيل. الارتباط الوثيق بهموم إيران، وسياساتها، وقراراتها، أعاد البلد المنهار الى مخاطر المفاجآت التدميريَّة. والقرارات لا تمرُّ بالدولة اللبنانيَّة الغائبة تماماً. لا موجب لطرح الأسئلة. ليست التجربة الأولى ولا الأخيرة. لكن سوق الصفقات مزدهر. تابع فضائح التلفزيونات حول المليارات…

عَرَضاً نأتي على ذكر الدولة. فالدولة في هذه المجالات لا مطرح لها ولا دور. كان لبنان في أحسن حالاته قبل مواسم التسيُّب والفلتان والقرارات الحربيَّة. وقبل أن يُعلن الفساد كأكبر وأوسع موسم. أقوى من الدولة التي احتلت، هنا، موقع الزوج المخدوع. فوجئ اللبنانيون بالأحاديث والتصريحات والخطابات حول هبوط كل شيء الى آخر العيارات. ومع ذلك وجدوا من الحكمة الاقتصاص من المستأجرين المعترين ورميهم في الشوارع.

الكلام الذي يتردَّد في كل الأحاديث حول المليارات واختفائها، ناهيك بالملايين وتبخّرها. فتح الأبواب أمام الهبوط والانهيار وسقوط الثقة في كل شيء. اختلط الحابل بالنابل. اختلطت المسؤولية بالفلتان. وبدأت لائحة الاتهامات بتوسيع نفوذها، وكشف مراكز ومنابع الفظائع وما تشيب من هوله رؤوس الأطفال.

لم يتغيَّر شيء. لا نزال عند غياب الدولة وبروز سلطنة الدويلة. ولا يزال الكلام الكبير عن اكتشاف مطامر المليارات والجبال التي ابتلعتها قيد التداول. الا أن أحداً لم يسمع بقرار، أو خطوة، أو إجراء، في حق “ميليشيات” المليارات. تُركت المهمة للوقت والنسيان. فالحِمل من حصة الطفرانين والمستأجرين وذوي الدخل المحدود.

فالى من يتوجه المواطن اللبناني الذي لا يملك ما يكفي لتغطية بدل ايجار بيت صغير؟ جميعهم انضموا الى أحزاب المليارات. جميعهم كلّهم اكتشفوا أن “القانون الجوهري” موجود في حقل الصفقات. جميعهم كلّهم وجدوا في أسوأ الظروف أن من الحكمة تنفيذ قانون الايجارات، فيما ثلاثة أرباع المعنيين لا يملكون ما يوفّر خبزهم كفاة يومهم.

فالى مَنْ يشكو هذا اللبناني البائس؟ الى قانون الايجارات، أم الى قانون الصفقات والمليارات؟