//Put this in the section
سمير عطا الله

احترام النص واحتقار المعنى – سمير عطاالله – النهار

قال رئيس المجلس الدستوري الجديد إن الناس تتحدث كثيراً عن المجلس لكنها لا تعرف الكثير عن أعماله. أسارع الى الإقرار بأنني واحد من هؤلاء. بل انني لم أشعر في أي لحظة ان ذلك واجب، أو مسؤولية، أو ضروروة وطنية.

فالعامة في العادة متواضعة المعرفة. وهي في طبيعتها توكل أمورها الى السادة العارفين. وتثق بهم. وتترك لهم الأمانة على المؤسسات الدستورية ورعاية القانون وحفظ السلامة العامة ووحدة البلاد.




كل ما على الناس هو أن تقترع، وللنظام الديموقراطي من بعد ذلك الاختيار، أن يكون راقياً ومخلصاً ونزيهاً، في اختيار امنائه. بعد الثورة الفرنسية اصبح كل شيء مِلكاً للدولة، لا للملك. وأصبح مجلس الملك Conseil du Roi مجلس الدولة. ووضع العسكري بونابرت القوانين المدنية التي لم يسبقه، ولا لحقه فيها أحد.

كم هي نسبة الفرنسيين التي تعرف بنود الدستور أو وظائف المجلس الدستوري؟ نحن، دهماء لبنان، لم نلتفت الى وجود المجلس الدستوري إلا عندما خطفت السيدة ديما جمالي الانظار، سهلاً وجبلاً ومنبتاً للرجال. فقد وضعنا أيدينا على قلوبنا عندما قيل لنا إن الطعن الوحيد في انتخابات الخلاص الوطني، هوالطعن في نيابة جمالي، مع ان عادة سيف الدولة الطعن في العدا جميعاً.

جمّلت سياساتنا، السيدة ديما. وعندما سألت محاميها على باب المجلس الدستوري: “طوني، ليش نحنا هون”، احتارت العامة في تأويل السؤال: هل هو الظرف مضافاً إلى الاسم، أم هو الحيرة الوجودية على طريقة ايليا أبي ماضي، جئت لا أعلم من أين، ولكني أتيت، ولقد ابصرت امامي طريقاً فمشيت.

وهو، يا مولانا، حال العامة في كل زمان ومكان. قدريون نحن، وليس لنا، في غالب الأحوال، سوى سبحانه وتعالى. المأساة، أو الكارثة، حين تكثر معاصينا ويصعب الغفران. عندما قرر صدام حسين غزو الكويت قال له الملك حسين: “العالم كله ضدك”. فأجاب: “لكن الله معي”. بقليل من التروي والقراءة، كان يمكن مبعثر العراق أن يعي “أن الله مع الجماعة”، وإذا ما قرر ان ينصر فرداً فلن يكون ديكتاتوراً في شعبه وأهله وفي جيرانه.

كان برتراند راسل مع الرحمة ضد القوة، ومع الإنسان الخائف ضد الإنسان المخيف، ومع السلم الخاسر ضد الربح المدمّر. وعلى رغم نفوره التاريخي من الشيوعية، دعا، يوم خاف الانفجار النووي، إلى مصالحة السوفيات، ورفع شعاره الشهير: Better Red Than Dead .

الشيوعية أفضل من الموت. وكان يرى ان التعصب أعمى يسد جميع الدروب: نازياً أو شيوعياً، سواء. لأن المتعصب يرفض التعاون مع أي كان.وتزداد هذه المشاعر العمياء بصورة خاصة في الازمات الاقتصادية. فلولا الفاقة الكبرى التي ضربت المانيا، لما استطاعت النازية الاستيلاء على بلد من أمهات الفلسفة والثقافة والأدب والصناعة.

في زمن القسوة العصبية، تزدهر الخرافة وتقدّس الاساطير. وقد ساد حكم الكنيسة – راسل – من القرن الرابع الى الثامن عشر. وفي الانصراف الى الخرافات، سقطت بيزنطيا. ليس فقط في الجدل المسطح، بل في اعتبار خبزة القداس غير المخمرة خطيئة أعظم بكثير من عدم الولاء الوطني.

في كل عصر تظهر حركة تبيع الناس عقارات خاصة في الجنة. الكنيسة الشيوعية برعاية لينين وعدت بالجنة. هنا: لا يحتاج الأمر الى اكثر من بعض الخبز وبعض الفودكا لضحايا القيصر وظلام المناجم. ومن أحد تلك المناجم، ظهر عامل يدعى نيكيتا خروشوف، القديس الذي سوف يزيح عن الصدور بلاطة ستالين، مريض سيبيريا والاعدامات.

خروشوف أيضاً وعد بالجنة الزمنية: خبز وعلم وفضاء. لكن الرأسمالية سبقته الى تصحيح عيوبها وتوحشها. بعضها طبعاً. قدمت للفقراء الخبز والحليب والضمان الصحي والتقاعد، وفوقها مقعد مجاني في الحديقة العامة، وكأس من النبيذ ولو غير النبيل، بلا شجرة عائلة. وشمسه مزغولة بالغيوم.

المتعصب عنصري أيضاً. ويسيطر عليه شعور مرضي بالتفوق، شعباً كان أم فرداً. أغرب ما قيل في هذا الباب، قول دونالد ترامب إنه الرجل “المختار” لمحاربة العنصرية! قعر العنصرية هو شعورك بأنك مختار ومتميز. فجع الآريون والبيض الآخرون عندما اكتشفوا ان “العرق” الصافي الوحيد على هذا الكوكب هو السكان الاصليون في اوستراليا. الباقي خليط. زميل عراقي اضطر طبياً إلى فحص أصوله، فتبين له أنه مغولي. مع اضافات، من هنا وهناك.

لكي تصحح خلل هذا العالم، تحتاج الى جبابرة أمثال مانديلا وغاندي ودوكليرك والأم تيريزا. بشر فوق العرق واللون والمعتقد والذات. وهؤلاء قلّة في العصور، لأن البشرية بدأت بانتصار قايين في صراع الأخوة. وبقيت اسباط هابيل تكافح في عناء وضنك، من اجل القيم وحُسن الحياة.

في مثل هذا الصراع الدائم، أحال الإنسان قسوته وانانيته والغائياته وجشعه، على القانون. وضع دستوراً للحكم وجعل له مجالس عدة تسهر عليه. وقد تقبلت العامة هذا النسق بينما رفضته الجماهير. وشرحها المواطن والغوغاء. الجوار والالغاء. المشاركة والمحسوبية. الرفض والرضا.

تأمل العامة ان يكون حراس الدستور أمناء على روحه، لا على بنوده. إليك ما فعل “الدونالد” بالدستور الاميركي، متقيداً بالنص، مزدرياً المعنى. ومن كان يتخيل ان يأتي يوم يعلق فيه رجل البرلمان البريطاني، وكأن وستمنستر فرع من برلمان زيمبابوي.

أول عمل يفعله هذا الرجل ان يصفع المملكة التي صار رئيساً عليها. لم يكن يخطر لأحد في العالم أن يرى شعبوياً في 10 داوننغ ستريت. لكنها موجة عالمية من المجر الى البرازيل. النظام العالمي يهتز تحت ثقل المسحات. فاشية بلا اعلان، وتدنِّ في مستوى التمثيل السياسي، يهدد أرقى المجتمعات بالانحراف نحو شكل مفزع من الغوغاء، المقنَّعة بـ”الخيار الشعبي”.

اللغة التي يتخاطب بها ذوو “الخيارات الشعبية” في لبنان، تجاوزت جميع الدول الأخرى. وهبطت دون جميع المستويات. لغة كره وغطرسة وتعال لا تليق حتى بالشارع الذي تمثله. من يوقف هذا الانزلاق من الكينونة الى العدم؟ من يعيد الى الخطاب السياسي مضامين الصدق والثقة والتواضع الوطني؟

صعب على بلد نشأ في خطاب وفكر ميشال شيحا وبشارة الخوري وجورج نقاس والإمام الصدر وجواد بولس وجورج خضر، أن يشقى اليوم بمبادلات وسائل التواصل ولغة الادغال. طرزان.