//Put this in the section

أيّ مسار سياسي اختاره جعجع بعد ”أيلول الشهداء”؟

مجد بو مجاهد – النهار

يختبر حزب “القوات اللبنانية” تجارب سياسية مختلفة عن أجواء “ليالي الأنس” التي جسدتها مشهدية تبادل الأنخاب وشبك الأيدي أثناء قطع قالب الحلوى في احتفالية “تفاهم معراب”. ولعلّ رئيس الحزب سمير جعجع، لم يكن يتصور أنه سيردد العبارات التي ألقاها في “أيلول الشهداء” بعد دخول العام الثالث على انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، مسلما بدفن ورقة التفاهم. وهنا تعبر “القوات” من مرحلة رفض تصديق واقعة موت عزيز – الاتفاق – إلى مرحلة تقبل الصدمة والتعايش معها.




لن ينتسى خطاب جعجع، على ما يدور في فلك الصالونات السياسية، فهي كانت المرة الأولى لم يوزع سيد معراب ورودا، لا لحلفاء ولا لخصوم، والمرة الاولى يصدر موقفا يصوّب فيه على العهد ورئيسه. إذا “القوات” تخوض غمار مواجهة من داخل الحكومة، وهي لم تمزح أو تردد تعابير أدبية في خطاب رئيسها. وتقول أوساط معراب إن الخطاب لم يكن إنشائيا، بل إنه سياسي من شأنه تحديد الموقف السياسي الذي هو بمثابة الركن الأساسي في الحياة السياسية. وتركز الأوساط على نقطتين تطرق إليهما الخطاب:

– التصويب على تراجع العهد، الذي كانت معراب طرفا أساسيا في رسم مرحلته، عن الشراكة بسبب جشع السلطة. فلم تكن “القوات” تتوقع التراجع عن المبادئ التي على أساسها تم تبني ترشيح العماد عون لسدة الرئاسة، وهي مبادئ متعلقة بالدولة والسيادة ومرجعية لبنان.

– التصويب على ممارسات أركان الدولة، وتقصد توجيه الرسائل في هذا التوقيت بالذات إلى رئيسي الجمهورية والحكومة في ظل عدم خشية “حزب الله” جرّ البلاد إلى حرب دفاعا عن إيران. وبذلك، أضحت البلاد أمام واقع سيادي وإصلاحي مكشوف، يقود إلى انهيار لأسباب أمنية أو اقتصادية.

لم يوزع جعجع ورودا في خطابه، لكنه لم يغرس شوكة الاستقالة أو ينطق بحروفها على خلاف ما كانت تنتظر فئة من المناصرين والخصوم على حد سواء. وهنا يطرح السؤال عن أسباب عدم الخروج من القطار الحكومي في ظل هذا الكم من السخط الذي عبر عنه الخطاب. تقول الأوساط إن “الاستقالة ستؤدي إلى همروجة لمدة 24 ساعة، ولا بد أن ترتبط بقرار إسقاط التسوية الرئاسية وإسقاط رئيس الجمهورية الذي يشكل غطاء لحزب الله. ولا هدف من الاستقالة خارج هذا الإطار. لا ترى القوات أن معركة من هذا النوع يمكن أن تخاض أو أنها مفيدة في هذه اللحظة، وهي معركة يأتي ظرفها بدلا من الانزلاق الى الهاوية وتعريض البلاد لانقسام ليس أوانه. في المقابل، لا تزال القوات مؤمنة بالتسوية الرئاسية والمسار السياسي القائم والتي هي جزء منه، وإلا لما استمرت في الحكومة ولما حضرت اجتماع بعبدا تثبيتا لوجهة نظرها. وترى معراب أن مكافحة الفساد والإصلاح ومنع انهيار البلاد والمساهمة في إنقاذه، هي عناوين أكثر أهمية تحتم حضور القوات حكوميا”. وتصوّب الأوساط على موقع حزب الكتائب المعارض من الخارج، متسائلة: “ماذا تفعل الكتائب في المعارضة؟ لا شيء!”.

وإذا لم يكن جعجع قد رمى ورقة الاستقالة، فإنه سلم بحرق ورقة تفاهم معراب. وتشير الأوساط إلى ان “الاتفاق كان تضمن شق شراكة، وجانبا متمثلا بالنقاط العشر التي تتضمن سيادة الدولة ومرجعية الجيش وعلاقة لبنان مع المجتمع الدولي. وعليه، تتعامل القوات مع الوقائع كما هي، فالتفاهم مات ودفنه الوزير جبران باسيل ووضع حجرا فوقه”. وبذلك، تستمر العلاقة مع “التيار الوطني الحر” على القطعة، مع التصويب على تأييد جعجع على طاولة الحوار الاقتصادي استخدام باسيل مصطلح “الصدمة الإيجابية” التي تحتاج اليها البلاد.

“القطعة” مسيطرة أيضا في العلاقة التي تجمع “القوات” و”تيار المستقبل”، فيما العلاقة متوازنة مع الحزب التقدمي الاشتراكي. وتشير الأوساط إلى أن “الخلاف مع المستقبل بعد واقعة المجلس الدستوري، يبقى داخل البيت الواحد. فالتقاطع قائم مع رئيس الحكومة سعد الحريري، والعلاقة قائمة والقنوات مفتوحة”.

تتحفظ معراب عما دار بينها وبين “بيت الوسط”، بعد واقعة المجلس الدستوري. وعلمت “النهار” من مصدر مطلع على الاتصالات التي جرت بين المكوّنين أن رسائل وصلت من “المستقبل” إلى “القوات” تم فيها تبرير الموقف، رغم أن معراب لم تقتنع بالتبرير، لكن القنوات بقيت مفتوحة والتواصل بقي قائما.

من جهتها، تعقّب أوساط معراب على التواصل “القواتي” – “المستقبلي” بعبارة: “ما حكي في المجالس يبقى في المجالس”. وفي الخلاصة، تخوض “القوات” مواجهة انطلاقا من خطاب رئيسها الأخير، وتعد بأنها لن تغطّي أحدا، بل ستهاجم كل من يتجاوز الدستور أو يعرّض سيادة لبنان وأمنه للخطر. وستتقاطع مع كل من يلتزم المشروع السيادي، وفق توصيف أوساطها، وستستمر في الحكومة كمساحة للمواجهة السياسية. ولا تزال “القوات” تتموضع في الموقع السياسي نفسه في الحكومة، ولم تعد إلى “قواعدها سالمة” ولم تخرج من السرايا لتعود، ولن تغير عادتها في الاعتراض على ما لا تريده أو ما لا تراه مناسبا.