//Put this in the section

خطة الكهرباء بين التنفيذ الجِدّي… والتجارب السابقة!

سلوى بعلبكي – النهار

“تسير خطة الكهرباء وفق ما هو مرسوم لها”… هذا الكلام لوزيرة الطاقة ندى البستاني التي تبذل قصاراها من أجل إحراز تقدم ملموس في القطاع، على أمل أن يخفف انجاز الخطة عجز الموازنة (ثلث العجز سببه عجز الكهرباء)، خصوصا أن التحويلات الى “مؤسسة كهرباء لبنان” وصلت منذ عام 1992 الى نحو 40 مليار دولار على أساس تراكمي، وهو ما يمثل 45% من الدين العام للبلاد (بما في ذلك الفوائد المستحقة بنسبة 6.8%)، فيما بلغت التحويلات الى المؤسسة ذروتها عام 2012 إذ بلغت 2.2 ملياري دولار فيما وصلت الى 1.8 مليار دولار عام 2018، أي ما يمثل 31% من عجز الموازنة.




فهل ستنفّذ خطة الإصلاح هذه المرة؟ فريق متخصص في “بنك عوده” يعرب عن اعتقاده أن “خطة البستاني ستنفذ أكثر من أي وقت مضى”، مستندا بذلك الى “الاعتراف المتزايد بأن العجز المالي في البلاد والتحويلات الضخمة إلى مؤسسة الكهرباء غير مستدامة، وأن الفشل في تنفيذ الإصلاحات سيؤدي إلى المخاطرة بالأموال التي تم التعهّد بها في مؤتمر “سيدر”، مما يعرّض الاقتصاد لخطر مزيد من التدهور ويشوّه سمعة الزعماء السياسيين الذين تعهّدوا توفير الكهرباء على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع”.

غير أن الخبير الاقتصادي مروان اسكندر اعتبر ان “الزعماء السياسيين الذين تولوا ادارة شؤون الكهرباء منذ عام 2008 كانوا السبب في إهدار 29 مليار دولار التي تشكل مع فوائدها نسبة 52% من الدين العام، فيما كان ممثلوهم على رأس لجنة المال والموازنة والتزموا خفض العجز خلال سنتين او ثلاث، وبينهم النائب ابرهيم كنعان الذي وعد اللبنانيين بخفض العجز 500 مليون دولار عام 2018، وكانت النتيجة زيادة العجز بنسبة 1.2 مليار دولار”.

تشكل أزمة الكهرباء أحد أهم عناصر عجز الموازنة العامة، وقد تسببت بنسبة عالية من قيمة الدين العام المتراكم، وفق المدير العام السابق للاستثمار في وزارة الطاقة غسان بيضون الذي يقول إنه “على رغم مخالفة سلف الخزينة التي تموّل عجز الكهرباء لأحكام قانون المحاسبة العمومية الخاصة بسلف الخزينة، فقد كرست المادة الخامسة من قانون موازنة 2019 هذا التجاوز بإجازة بالاقتراض من أجل تمويل “سلف الخزينة” لمؤسسة كهرباء لبنان”. فما هو تأثير إصلاح قطاع الكهرباء على العجز المالي؟

ويفيد تقرير “بنك عوده” أن تنفيذ جميع خطط الإصلاح وفقاً لخطة الكهرباء، وخفض الخسائر مع تنفيذ مشاريع الزهراني/ سلعاتا وشراء الغاز الطبيعي وزيادة التعرفة الجمركية، ستؤدي الى خفض العجز في مؤسسة الكهرباء وتاليا إلى تحسن كبير في العجز/ الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن اسكندر يرى أن العجز عام 2018 تجاوز النسبة المشار اليها وقد خصص مبلغ 1.9 مليار دولار على دفعتين لمعالجة العجز، بحيث إذا اضيف هذا المبلغ الى العجز المتراكم يتجاوز مع الفائدة 42.5 مليار دولار أي ما يساوي 52% من ارقام الدخل القومي القائم. ويفترض التقرير نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%، وتنفيذ تدابير الموازنة لعام 2019، وتنفيذ خطة إصلاح الكهرباء وفق ما وافقت عليه الحكومة في نيسان 2019. ولكن في حال حدوث أي تأخير في التنفيذ، سيتم تأخير التأثيرات الايجابية على عجز المؤسسة تبعاً لهذا الامر. ومع ذلك، فإن بدء تنفيذ المشاريع من شأنه أن يضع لبنان على المسار الصحيح لضمان وجود اتجاه مستدام للتمويل الحكومي، وسيكون له تأثير كبير على العجز / الناتج المحلي الإجمالي. في حين يجزم اسكندر بأن النمو بمعدل 5% لن يتحقق، بدليل أن المؤشرات تفيد عن تقلص الدخل القومي، عدا أن العجز مرجَّح ان يساوي 5.5 – 6 مليارات دولار عام 2019 وعجز الكهرباء سيتجاوز 2500 مليار ليرة.

ووفق التقرير ان استثمارات توليد الطاقة ومناقصات الغاز تنفّذ عبر مشروع الشركة بين القطاعين العام والخاص، بما يعني أن معظم الاستثمارات المطلوبة يقوم بها القطاع الخاص ومؤسسات التمويل والتنمية الدولية، وقد “شهدنا اهتماما كبيرا بالاستثمار في لبنان من الممولين والمستثمرين الإقليميين والدوليين (الذين تم اختبارهم في مزارع الرياح). اضافة إلى ذلك، فان مخاطر الانشاء والاتصال والتشغيل ستقوم على عاتق القطاع الخاص. ويقدم لبنان عائدات جذابة الى المستثمرين عند مقارنتها بالدول المجاورة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حتى عند أخذ المخاطر بالحسبان”.

إلا أن بيضون لاحظ أنه “فيما كان يرتقب المباشرة بإجراءات تلزيم معامل الإنتاج بالشركة مع القطاع الخاص التي ينظمها القانون رقم 48/2017، ويشترط تشكيل لجنة خاصة لكل مشروع، على أن تكون الهيئة الناظمة “المغيبة قسراً” من بين أعضائها، أعلنت وزارة الطاقة عن عمليات تصنيف تجريها على أساس مرسوم يستثني من تطبيقه بناء مجموعات توليد الكهرباء ومحطات تحويل الطاقة التي تتجاوز الـ 600 kva”.

جدية في التطبيق؟

منذ موافقة الحكومة على خطة الإصلاح في نيسان 2019، شهد لبنان إجراءات غير مسبوقة تشهد على جدية الحكومة في تنفيذ الخطة، وأبرزها وفق ما لاحظ فريق “بنك عوده”: انجاز وصلة قسم “المنصورية 220 كيلوفولت” في أيار (بعد عقدين من الاعتراض)، وإعداد طلب تقديم العروض لمعملي الزهراني/ سلعاتا، وتسريع تحصيل الفواتير، وحملة وطنية لإزالة التعديات غير القانونية وغيرها. وعلى رغم الاختلالات القائمة في لبنان، لاسيما على مستوى القطاعين الخارجي والمالي العام، يرى الفريق عينه أن “المخارج لا تزال متوافرة وأن سيناريو الهبوط الآمن في المالية العامة لا يزال ممكنا في حال اتُّخذت تدابير وخيارات اقتصادية صارمة”، ملاحظاً أن أولى الإشارات بدأت بالظهور مع موازنة 2019 وخطة إصلاح قطاع الكهرباء. وتاليا، فإنه “مع تطبيق الإصلاحات الملحّة بشكل ملائم، يستطيع لبنان أن ينتقل إلى حقبة الاحتواء التدريجي للمخاطر والتهديدات الكامنة كشرط أساسي لتحقيق النهوض الاقتصادي المنشود في المدى المتوسط والطويل”.

لكن بيضون طرح في المقابل تساؤلات تتعلق بتنفيذ خطة 2019 “العلمية” التي دمجت الحل الموقت بالدائم، إذ بات ممكنا في رأيه أن “يتولى ملتزم الحل الدائم تمرير حل البواخر الموقت الوحيد المحتمل ضمن عرضه، بحيث تعفى وزارة الطاقة من الإحراج، وتكون البواخر قد خرجت من طاقتها لتدخل من باب ملتزم الحلّين العتيد!”. وسأل ايضا عن “مصير معمل دير عمار، وأسرار المفاوضات حول تحويله إلى BOT وتلزيم بواخر الغاز، والمباشرة بتلزيم إنشاء معامل الإنتاج بالشركة مع القطاع الخاص، وما إذا كانت هذه “المماطلة” تهدف الى طرح مشروع البواخر من جديد”. كذلك سأل عن “ضبط الهدر وخفضه من 40% إلى نحو 12%”، مذكرا بأن “قانون موازنة 2017 حدد مبلغ 2100 مليار ليرة سقفاً أعلى لسلف الخزينة التي تعطى لكهرباء لبنان. ولم يتم الالتزام بهذا السقف بدليل أن “السلفة” زيدت لتصل إلى 2742 ملياراً بحجة ارتفاع أسعار المحروقات… وكذلك حصل انقلاب بالنسبة الى تسديد السلف بحيث جرى تقديم مشروع قانون معجل مكرر بإعفاء المؤسسة من سلف الخزينة المعطاة للكهرباء بحجة سقوطها بمرور الزمن الخماسي!”.

وفيما توقع النائب كنعان خفض عجز الكهرباء خلال العام 2020 بمقدار250 مليار ليرة، عُلم بان “المطلوب في مشروع موازنة الكهرباء للعام 2020 يتجاوز الـ2500 مليار ليرة المعطاة بموجب قانون موازنة 2019، بأكثر من الـ250 مليار ليرة المذكورة!”.