//Put this in the section
راجح الخوري

الضحيّة بماذا تضحّي بعد؟ – راجح الخوري – النهار

مع إحترامي لكل الذين جلسوا الى طاولة بعبدا أمس، للبحث في ما قيل إنه خطة وطنية لمعالجة الأزمة الاقتصادية التي تدفع لبنان الى الإفلاس، فإنني أطرح على كل منهم ثلاثة أسئلة، والجواب عنها يمكن ان يفيدنا عما اذا كان في وسع هذا الطقم السياسي ان يوقف سفينة تايتانيك، كما سمّاها الرئيس ميشال عون، من ان تغرق بنا وبمن فيها.

أولاً: هل تستطيع هذه الدولة ان تقوم بجباية فعلية كاملة شاملة من الناقورة الى النهر الكبير للضرائب المفروضة أصلاً على المواطنين وللرسوم المستحقة لها عليهم؟




لو كان في استطاعتها ذلك لما كنا وصلنا الى هذا الرقم الفلكي في الدين العام، فهي لم تستطع ولن تستطيع لأن البلد دوقيات سياسية، ومحميات طائفية ومذهبية، وحصص منفعية، وبالأمس أخبرنا وزير المال ان هناك ١٢٤ معبراً غير شرعي للتهريب على الحدود، ولكل معبر اسم وزعيم ومرجعية، فكيف اذا أضفنا إليها أبواب التهريب في المرافئ الشرعية ووسائلها وخوّاتها، وعمليات النهب المقونن؟

هل تستطيع مؤسسات الدولة ان تنشر مثلاً، قائمة إسمية بما لها من ديون متراكمة على وزارات ومؤسسسات وزعامات ومرجعيات ونافذين وهي بالمليارات، وهل تجرؤ على المطالبة بتحصيل هذه الديون؟

ثانياً: هل تستطيع هذه الدولة ان تطبق القوانين، مجرد القوانين الموجودة أصلاً، وإذا طبقتها فعلاً فقد يصبح لبنان أشبه بسجن كبير، ولكن ليس للحيتان الذين هم أكبر من القانون وأهم من السجون؟

هل نفذت هذه الدولة فاصلة من القوانين، ولا نجد سارقاً واحداً من السياسيين وأزلامهم في السجن، معظم السياسيين في البلد اشبه بفرقة ندّابين لدفن الموتى، يتحدثون عن آفة الفساد، وكأنهم من الملائكة الأطهار، ورغم كل هذا لم يكتشفوا فاسداً واحداً نلقيه في مستوعب الزبالة، كل هذه الاحاديث ودربكات الحكي عن النهب، ولم نكتشف سارقاً واحداً نعلقه على عمود في الشارع كما حصل في البرازيل، ليصدق الشعب ان هناك دولة وقوانين؟

ثالثاً: هل تمعّن المسؤولون والسياسيون جيداً في الأسئلة الخمسين التي كانت وكالة “ستاندارد أند بورز” وجهتها الى المسؤولين في وزارة المال والمصرف المركزي، ليفهموا مرة واحدة ان المشكلة في لبنان ليست في الإقتصاد بل في الممارسة السياسية، بدليل أنها كانت في معظمها توحي بأن وكالة التصنيف كما دول العالم، باتت تعرف جيداً ان مشكلة لبنان في سياسييه وزعمائه؟ والسياسيون معظمهم يعرف هذا، ولكن الفالج لا يستطيع معالجة الفالج، فهل هذه دولة دينها العام قارب المئة مليار دولار، وتعرف وتشارك ايضاً في أبواب من الإهدار والسرقات، ثم يأتي السياسيون فيها ويتحدثون حتى عن ضريبة النارجيلة التي “أركل” علينا العالم قبل التراجع عنها، لا هذه دولة المعسّل!

هل هذه دولة فيها مسؤولون وترفع الضريبة على ودائع المصارف ومعظمها لمستوري الحال، لأن مليارات السارقين تنام مطمئنة في الخارج، من ٧ الى ١١٪، وترفع الضريبة على الوقود، وتصل بالضريبة على القيمة المضافة على كثير من الحاجيات الى ١٥٪، وتطالبكم بالتضحية لكأن الضحية قادرة بعد على التضحية!

هذه دولة غارقة في التهرّب والتهريب، دولة المعابر الفالتة والعبور المستقوي على الدولة وقوانينها، وهذه أيها السعداء دولة الحرص على الفقراء وذوي الدخل المحدود، والشعوب اللبنانية الساكتة هي من ذوي العقل المحدود!