العهد خيّب آمال جعجع.. القوات رسميا في موقع “المعارضة” من داخل الحكومة

رسم الخطاب الذي ألقاه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية أمس في معراب، خطا فاصلا واضحا، كان حتى الامس القريب “رماديا”، بين معراب والعهد، أو بينها وبين “التسوية الرئاسية” التي كان لها الدور الاكبر في إرسائها، وقد وصل بفضلها، العماد ميشال عون الى القصر الجمهوري.

الكلمة المطوّلة التي القاها جعجع في المناسبة، حملت عنوانين أساسيين، وفق ما تقول مصادر سياسية سيادية لـ”المركزية”. الاول، فحواه ان القوات اللبنانية غير راضية عن مسار العهد، ولا عن أدائه وقراراته ومقاربته للملفات كلّها، سياسية كانت ام استراتيجية ام اقتصادية.. فتعويلها كان على ان يشكّل انتخاب الرئيس عون مدخلا الى تدعيم ركائز الدولة وفرض هيبتها لا سيما على الجهات الداخلية التي تعتبر نفسها أقوى من الدولة. الا ان العكس حصل، حيث ان الكلمة الفصل في أمور مفصلية كثيرة وأبرزها “الحرب والسلم”، لا تزال ضائعة، بدليل ما حصل في الجنوب في الساعات الماضية، في وقت لا تلوح في الافق السياسي بوادر اي خطوة لمعالجة هذا الواقع بدءا من فرض امتلاك الجيش اللبناني وحده السلاح، التزاما بالقرارات الدولية (1701 و1559)، التي أعلنت الحكومة اللبنانية بنفسها تقيّدها بها. خيبة أمل القوات بالعهد لم تعد خفية، وخرجت الى العلن أمس بقول جعجع نأسف “أشد الأسف” أن “العهد الذي أردناه وما زلنا عهد استعادة الدولة من الدويلة، عهد بحبوحة وازدهار، لم يكن حتى اليوم على قدر كل هذه الآمال”. الا انه لم يكتف بهذا الموقف بل سدّد ضربة قوية الى أداء الرئيس عون بمقارنته الواقعَ اليوم، بما حصل ابان انتخاب بشير الجميل رئيسا، قائلا “يكفينا فخرا أن رئيسا من صفوفنا أمضى عشرين يوما ويوما فقط كرئيس منتخب، ومنذ سبعة وثلاثين عاما، وما زال اللبنانيون حتى اليوم يترحمون على عهده، بشير حي فينا”…




صحيح انها ليست المرة الاولى التي يصوّب فيها جعجع على أداء بعبدا، الا ان كلامه عالي السقف أمس- والذي يبدو كانت الرئاسة في صورته ففضّلت الغياب عن القداس- يؤشّر الى انه بات رسميا، في موقع جديد، خارج التسوية التي خذلته، وسيشكّل “معارضة وإن من الداخل”.

من هنا، تنتقل المصادر الى الشق الثاني من خطاب جعجع، وعنوانه “نحن معارضون لنهجكم في الحكم، لكننا لن نخلي لكم الساحة”. فجعجع الذي قال “لا يمكن للبعض أن يضع الحق دائماً على “الطليان” لتبرير عدم قيام دولةٍ فعليةٍ في لبنان أو لتبرير انخراطه في عمليات الهدر والفساد”، منتقدا “تحوّل مؤسسات الدولة وإداراتها إلى مكاتب انتخابيةٍ للبعض”، وواقعَ “أن بعض الجماعات التي كانت تنتقد كل الممارسات الشاذة داخل الدولة من سرقةٍ وهدرٍ وفسادٍ ومحسوبيةٍ وتوريثٍ وعائلية، أصبحت هي نفسها عندما وصلت الى السلطة الشريك الأساسي والمضارب في هذه الممارسات كلها”، أكد ان “محاولات عزل ومحاصرة القوات من الأقربين والأبعدين ليست جديدةً علينا بل هي ملازمةٌ لمسيرتنا التاريخية”. وقد بدا في كلامه هذا، لا يحمل فقط على التيار الوطني الحر بل ايضا على تيار المستقبل، علما ان أكثر من استحقاق “وزاري”، دلّ الى ان الطرفين يتفاهمان سلفا على الملفات كلّها من تعيينات وسواها، قبل طرحها على الحكومة.

بعد كل ما سرده، كان يمكن لرئيس القوات ان يعلن الانسحاب من الحكومة، الا انه لم يفعل. الخطوة كانت لتكسبه شعبيا، بحسب المصادر، الا انه آثر عدم اتخاذها اليوم، وفضّل البقاء داخلها لـ”الانجاز” في وزاراته (ولعلّ أبرزها اليوم وزارة العمل)، ومحاربة الصفقات والوقوف في وجهها، وتذكير الدولة بواجباتها وحقوقها لا سيما “سياديا”، كل ذلك منعا لسقوط لبنان- دونما اي مقاومة- في المحظور سياسيا واقتصاديا…

المركزية