عن نديم عبد الصمد وعن جانب من سيرة اليسار اللبناني – زياد ماجد – القدس العربي

رحل نديم عبد الصمد، أبو بشار، قبل أيام عن عمر ناهز التسعين عاماً قضى سبعين منها في ميادين الشأن العام والكفاح السياسي في لبنان، وانطلاقاً منه نحو مناصرة القضية الفلسطينية وتوطيد صلات التضامن العربي والأممي.

 انتمى عبد الصمد مبكّراً، كما كثر من أبناء وبنات جيله إلى الحزب الشيوعي، ورافق تجاذبات الخمسينات والستينات حول شكل الولاء للاتحاد السوفييتي واستقلال الموقف عنه في الصراع مع إسرائيل والعلاقة بالناصرية وببعض التيارات القومية العربية وما تخلّل ذلك من نقاشات فكرية ومن قمع للشيوعيين (بلغ في حالة فرج الله الحلو حدّ التصفية). كما رافق تشكّل الروابط الحزبية وتوسّع قواعد الحزب في المناطق اللبنانية والنقابات العمّالية والمهنية. وبُعيد انتصاف الستينات وانطلاق المقاومة الفلسطينية ثم إنشاء قواعد للفدائيين في جنوب لبنان وما نتج عن ذلك من ديناميات سياسية جديدة في أوساط الشيوعيين وفي البلد، تواطأ أمين عام الحزب الجديد يومها، نقولا الشاوي، مع مجموعة من الحزبيين الناشطين الأصغر منه سنّاً وقرّر تدريجياً ترك الدفة القيادية لهم. هكذا برز نديم ومعه كريم مروة وجورج البطل وغسان الرفاعي وآخرون، وأحاطوا بجورج حاوي الذي انتُخب في مطلع السبعينات أميناً عاماً مساعداً (وقائداً فعلياً للحزب)، في وقت كانت مؤسسات ثقافية واجتماعية وصحية تنشأ رافدةً بحيويّتها مناخاً يسارياً يتوسّع انتشاره في الثانويات والجامعات وفي العديد من المدن والبلدات.




على أن الانقسامات اللبنانية تجاه نظام “الديمقراطية التوافقية” القائم منذ الاستقلال على مبدأ تقاسم السلطة وفق حصص طائفية ترجّح كفّة التمثيل الماروني، معطوفة على مركزية شديدة في بيروت وجبل لبنان الشمالي وتمركز للثروة لدى نخب ضئيلة الحجم وانهيار الزراعة وتزايد الهجرة الريفية، جعلت الاضطرابات الاجتماعية والسياسية تتصاعد باضطراد. وكان للموقف من التواجد العسكري الفلسطيني في لبنان، ولصدامات الجيش اللبناني مع المقاتلين الفلسطينيين وحصار مخيّماتهم أن جعل الأوضاع في منتصف السبعينات متفجّرة. وأدّى ذلك، مضافاً إلى مناخ إقليمي متوتّر، إلى اندلاع الحرب الأهلية بعد رفض اليمين المسيحي كل إصلاح سياسي واعتبار اليسار الذي انضوى في تحالفه الشيوعيون بقيادة زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي كمال جنبلاط الفرصة سانحة لفرض الإصلاح بالقوة في ظل التحالف مع المقاومة الفلسطينية، وانقسام الزعامات المسلمة بين منحازة لها ورافضة للحرب ومفضّلة اقتناص مشاركة أوسع وتغيير للكوتا الطائفية من دون الانقلاب على “صيغة الحكم” القديمة.

عبد الصمد العربي

شكّل تدخل النظام السوري في الحرب واجتياحه لبنان العام 1976 ثم اغتياله كمال جنبلاط، ضربة كبيرة لليسار وللشيوعيين والفلسطينيين، أكملها الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان العام 1978 ثم الثاني العام 1982. ورغم إطلاق الحزب الشيوعي ومنظمة العمل “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” التي قاتلت الإسرائيليين وساهمت في طردهم من بيروت وجبل لبنان وأجزاء واسعة من البقاع والجنوب، فإن تبدّلات الحرب اللبنانية وقواها وصعود حركة “أمل” الشيعية المدعومة سورياً ثم “حزب الله” المدعوم إيرانياً همّشت الشيوعيين وأخرجتهم من معادلتها. وفي كامل المرحلة تلك، انتُدب نديم عبد الصمد من الحزب مع آخرين لتوطيد الصلات العربية والدولية، فكانت زياراته العديدة لليمن الجنوبي (الاشتراكي) وحضوره المؤتمرات الشيوعية إطلاله له وعبره على “الخارج” ونسجاً أو تكريساً لتحالفات فيه. وهو أمر استمرّ حتى مطلع التسعينات التي شهدت دفعة واحدة انهيار الاتحاد السوفييتي وقيام الوحدة اليمنية واجتياح العراق للكويت ثم “عاصفة الصحراء” الأمريكية ضده، وبدء “مفاوضات السلام” العربي الإسرائيلي، ونهاية الحرب اللبنانية وإعادة تشكيل السلطة في البلد وفق معادلة طائفية جديدة وإصلاحات مؤجّلة وتفويض أمريكي – سعودي لدمشق بالوصاية السياسية والأمنية عليه، في وقت استمرّ احتلال إسرائيل لأجزاء من جنوبه.

وقد أدّت جميع هذه المعطيات إلى تبدّلات وخلافات داخل الحزب الشيوعي اللبناني وإلى خروج أمينه العام جورج حاوي من القيادة. وتمحورت الخلافات تلك حول العلاقة بالنظام السوري وبأطراف السلطة اللبنانية كما بالديناميات السياسية والاقتصادية المستجدة مع ظهور الحالة الحريرية ثم “الأمنية – المخابراتية” من جهة، وحول التنظيم والقبول بالتيارات وبالنسبية في التمثيل الداخلي من جهة ثانية. وهي خلافات تصاعدت وأدّت إلى تشكيل معارضة حزبية مال عبد الصمد إليها، قبل أن يصبح في نهاية التسعينات أحد أبرز وجوهها وأكثرهم خبرة واتّزاناً.

التحوّل الديمقراطي

مثّل العام 2000 تحوّلاً كبيراً في المسار السياسي اللبناني، كما في سيرة نديم عبد الصمد وبعض رفاقه اليساريين. ذلك أن اندحار إسرائيل عن جنوب لبنان أنهى كل ابتزاز داخلي مارسه نظام الوصاية السوري وحلفاؤه اللبنانيون، وأتاح إطلاق مبادرات وطنية جديدة. هكذا، صدر بيان المطارنة ووُلد لقاء “قرنة شهوان” المسيحي، ثم تجمّع ضمن إطار “المنبر الديمقراطي” العلماني أفرادٌ ومجموعات نشطوا في الحوارات واللقاءات على مدى التسعينات، ورأوا في المطالبة بانسحاب الجيش السوري ومخابراته وبإجراء انتخابات ديمقراطية تعيد تأسيس السلطة وتحقّق مصالحة وطنية أولويات المرحلة الجديدة، الممكنة والمستحِقّة التقديم على كل خلاف قديم أو مقيم. وترأّس يساري من جيل عبد الصمد، ومن أبرز الوجوه الثقافية اللبنانية الجنوبية، حبيب صادق، “المنبر الديمقراطي” وانضمّ إليه عبد الصمد والياس عطا الله وباقي رموز المعارضة الشيوعية. وفي تجربته تبلورت لاحقاً فكرة تأسيس يسار ديمقراطي.

 والفكرة تلك، التي تبنّاها عبد الصمد بقناعة وشجاعة، وتعرّض بسببها لاتّهامات وابتزاز وتخوين، هدفت إلى تشكيل حركة تتسّع للتنوّع اليساري، الشيوعي وغير الشيوعي، وتقيم التوازن بين الكفاح من أجل العدالة الاجتماعية والدفاع عن الحرّيات العامة والخاصة، وإنهاء التناقضات المقيمة بين مقاومة الاحتلال الإسرائيلي وبناء الديمقراطية، أو بين الانتماء العربي والاستقلال الكياني اللبناني. وتأسّست الحركة بالفعل في العام 2004، وترأّسها عبد الصمد نفسه، وشارك في قيادتها خارجون من الحزب الشيوعي (أبرزهم عطا الله وزياد صعب) ومن “منظمة العمل” (حكمت العيد) ونقابيّون وممثّلون وممثّلات لمجموعات طلابية وناشطون في جمعيات أهلية ومثقّفون (من بينهم الياس خوري وسمير قصير). وتقرّب من الحركة الوليدة، من دون الانتساب لها، شيوعيون ظلّوا على صلتهم الوثيقة بجورج حاوي، الذي ظلّ بدوره راصداً دقيقاً للأوضاع اللبنانية، ولو من خارج المؤسسات الحزبية.

 غير أن اغتيال النظام السوري وبعض حلفائه اللبنانيين لرئيس الوزراء رفيق الحريري في شباط/فبراير 2005، فرض تحدّيات كبرى على “اليسار الديمقراطي”، كما على اللبنانيين جميعاً. فهؤلاء انقسموا بين معارض وموالٍ لنظام الأسد، ثم إلى موالٍ ومعارض لحزب الله بعد خروج الجيش السوري، ثم اتّخذت قسمتهم بُعداً مذهبياً تقابل فيها أكثر السنّة وأكثر الشيعة وتوزّع القسم الأكبر من المسيحيين والعلمانيين على جانبيهم. بعد ذلك كانت حرب تموز/يوليو 2006 والسجالات حولها، وكان انهيار البلد على وقع

الخلافات والصدامات والمصالحات الصورية المفضية انتخابات وتقاسماً طائفياً زبائنياً جديداً للسلطة، أكثر فظاظة من كل تقاسم سبقه. الأخطر، أن اغتيالات عدة حدثت طيلة تلك الفترة، وكان أول من استهدفت سمير قصير ثم جورج حاوي، في عمليات بدت مزيجاً من انتقام من المعارضين للنظام السوري من منطلق يساري وتحذير لهم من العمل لتجميع أوسع طيف أو تشكيل قطب يساري مستقلّ مؤثّر في الساحة اللبنانية (وفي ما يتخطّاها).

ورغم محاولات الاستمرار بثبات وشجاعة، ورغم تفاني كثر داخل حركة “اليسار الديمقراطي” وإلى جانبه، ورغم جرأة الحركة ومشاركتها المشرّفة في معركة إخراج النظام السوري من البلد، فإن التجربة لم تعمّر كثيراً، وتراجعت مع الوقت حتى الانطفاء. مع ذلك، ظلّ نديم عبد الصمد مرافقاً لها حتى النهاية، وعاش سنواته الأخيرة على تواصل مع من كان فيها، ومع أصدقاء عمره ممّن واكبوها، وتابع معهم الأمل الجديد في المنطقة الذي ولّدته الثورات العربية المنطلقة آخر العام 2010 في تونس، ثم البالغة سوريا في العام 2011، قبل أن تحوّلها الثورات المضادة والقمع والأوهان الذاتية والتدخلات العسكرية الخارجية إلى حروب وصراعات طاحنة ما زالت مستمرّة…

رحل نديم عبد الصمد إذاً، بعد حياة زاخرة بالعمل والكفاح والنشاط السياسي وشجاعة الموقف. رحل منسجماً مع نفسه ومع ما اعتنقه من أفكار ومُثل تبدّل بعضها وتطوّر، وظلّ بعضها الآخر ثابتاً. رحل بعد أن مثّلت سيرته في الكثير من مناحيها جوانب من سيرة اليسار اللبناني بصعوده وتعرّجاته، ثم بتراجع دوره وضمور حضوره.

له، ولأمثاله ومثيلاته، سلام وورود، ولعائلته ورفاقه ورفيقاته، ولمن بقي من أصدقائه، كريم مروة وحبيب صادق وغسان الرفاعي بخاصة، العزاء وطول العمر.