وصيّة إدمون صعب الصحافية.. «مسيرة عمر مع غسان تويني»

في أواخر ديسمبر الماضي، طلب مني الزميل حسين جرادي أثناء لقاء في الحمرا رقم الأستاذ ادمون صعب. واتصل به مباشرة، سائلا إياه إذا كان سيمر على معرض بيروت للكتاب لتوقيع نسخة إصداره قبل الأخير «العهر الإعلامي».

أجاب الأستاذ ادمون انه غير قادر ويغادر بيته في حرج تابت قاصدا المستشفى فقط. وأخبرنا عن كتاب ينتهي من مراجعته تمهيدا لإرساله الى المطبعة.




في يناير 2019 غاب الاستاذ الذي أتشاطر وإياه ذكرى الأول من سبتمبر مولدا.

منذ فترة قصيرة، حدثنا الزميل ايلي الحاج عن «التهامه» العمل الأخير لصعب «مسيرة عمر مع غسان تويني». وبالأمس حصلت على الكتاب، ولم أتوقف عن قراءته قبل الوصول الى الصفحة الأخيرة 442.

نعم قرأته «سحبة واحدة»، مستعيدا مقالات صعب في صفحة القضايا، والتي كان ينتظرها الجميع، ولم تعرف «النهار» بديلا مميزا لها، منذ رحيل الاستاذ صعب عنها في سبتمبر 2009.

استخدم صعب في الصفحة 161 عبارة «انجذبت الى «النهار» التي استمر مفعول سحرها النهضوي حتى غياب الأستاذ غسان عنها، وانفصالي عنها تاليا عام 2009».

لم يستخدم صعب عبارة أخرى تتناقض مع «الخروج الآمن» الذي لهثت وراءه إدارة «النهار»، بعدما أبدى انفتاحه كاشفا رغبته حفظ الأسرار. وكان ذلك في محادثة في يوم سبت، بعد توجهي الى المكتب، وتبلغي ان الاستاذ ادمون حضر قبل الظهر وأخذ أغراضه الشخصية من مكتبه. اتصلت به وهو العائد من مهمة في أسوج (الاسم المعتمد لها في«النهار»)، وكان تبلغ قرار صرفه غيابيا، وفي الحديث فتح كوة نقلتها الى الإدارة التي سارعت الى تلبية طلباته لجهة صرف تعويض حدده بنفسه، وتسديد فاتورة عالقة من مهمة سابقة أنجزها.

لقد حفظ الاستاذ صعب في كتابه الأخير الأسرار، ولم يبح بها. وإن كان البعض يرى انه تناول في القسم الثاني أشياء لا يعرفها كثيرون.

إلا ان القسم الأول من الكتاب هو الأكثر جاذبية اذ يحكي قصة كل واحد من الناس. من الفقراء غير الميسورين وحقهم في العلم والوصول الى مراتب متقدمة. من زحلة الى دمنهور. حكاية متلازمة لطامحين من أسرتين فقيرتين، ادمون صعب والعالم المصري احمد زويل الحائز جائزة نوبل.

القسم الأول يعتبر استمرارا لكتابي «سر المهنة وأصولها» و«سر المهنة وأسرار أخرى» اللذين وقعهما الاستاذ غسان تويني. فيه معلومات صحافية ومهنية قيمة وراقية.

باختصار عرض صعب لـ «مدرسة الصحافة»، وهو أحد آخر الاساتذة في هذه المهنة، بعد «الراهب المدير» الاستاذ فرنسوا عقل.

مسيرة كل طامح، وكل من يخرج من رحم الفقر ويتكل على نفسه في بلد لا يعرف المساواة، ويغلب المحاصصة والمحسوبية على المسار الطبيعي المعمول به في دول أخرى.

كسر صعب الحواجز، متغلبا على ظروف اجتماعية ومعيشية صعبة.

كتاب جذاب، يعيدنا الى زمن جميل، وحبذا لو تمكن الاستاذ صعب من القيام بمراجعة أخيرة له، لكنا تفادينا بعض الأخطاء المطبعية وتلك المتعلقة بالتواريخ.

أستاذ ادمون، كنت سعيدا لتمضية يوم كامل معك في عملك «الوصية»، وكلي امتنان لك لترك إرث صحافي قيم لما تبقى من مهنة، رسمتها بدقة مكرسا مداميك مدرسة «النهار».

ناجي شربل – الأنباء الكويتية