//Put this in the section
عقل العويط - النهار

البابا فرنسيس يحذّر من عودة هتلر – عقل العويط – النهار

السلطة في العالم، بأشكالها ومستوياتها كافّةً (أكاد أقول)، يسيطر عليها المجانين.

أستخدم كلمة “المجانين” استخدامًا سلبيًّا للغاية، في ضوء ما نُجَرّ إليه جرًّا مثيرًا للهلع، هنا وفي العالم، على أيدي الحكّام والزعماء الذين تتحكّم بهم وتستولي عليهم نزعات العنصريّة والانغلاقيّة والشعبويّة والسياديّة المتطرّفة المُغالية والهوّيّاتيّة الضيّقة وكره الآخر والإنغلاق والإقصاء والإلغاء والنبذ، علمًا أنّ الجنون في بعض معانيه ودلالاته، قد ينطوي على تصعيدٍ خلّاقٍ لمواهب الشخص البشريّ ولقدراته الخارقة.




أكتب هذا المقال بتأثيرٍ واضح ممّا تناقلته وسائل الإعلام عن موقف صديقي الشخصيّ فرنسيس، أسقف روما ورأس الكانيسة الكاثوليكيّة، في شأن الخطب التي يلقيها زعماء من العالم، في إيطاليا والمجر وفرنسا وانكلترا وأوروبا وأميركا – وهنا أيضًا وخصوصًا – وتشبه خطب هتلر في العام 1934، لأتأكّد من أنّ القلق الذي يعتريه حيال هذه الخطب الموتورة، هو قلقٌ إنسانويّ، وجوديّ، كيانيّ، يتعلّق بالخشية على مصير العالم، والإنسان، والمجتمعات المتنوّعة، وبالهاوية التي تنتظرنا جميعًا على أيدي هؤلاء.

كلامه هذا، جاء في مقابلةٍ نشرتها له صحيفة “لا ستامبا” الإيطاليّة يوم الجمعة الفائت، وتناقلتها وسائل الإعلام في العالم، بالتزامن مع الأزمة السياسيّة التي فجّرها الزعيم الإيطاليّ اليمينيّ المتطرّف ماتيو سالفيني رئيس “الرابطة الإيطالية”، بتفجيره الائتلاف الإيطاليّ الحاكم الذي يضمّ حركة “الخمس نجوم” المعارضة للنظام، متسبّبًا بحصول أزمة سياسيّة في البلاد، هو الذي تتوقّع استطلاعات الرأي أن يحقّق فوزًا كبيرًا في الانتخابات، في حال الدعوة إلى انتخاباتٍ مبكرة، بدعم من حزب “فراتيلي ديطالي” ذي الاتجاهات الفاشيّة.

قال فرنسيس إن السياديّة المتطرّفة تنمّ عن موقفٍ انغلاقيّ يقود الى الحرب. أشعر بالقلق لأننا نسمع خطبًا تشبه خطب هتلر في 1934. نحن أوّلًا… نحن… نحن… هذه أفكار مخيفة”.

وأوضح البابا: “يجب أن يتمتع أيّ بلد بالسيادة ولكن يجب ألّا يكون منغلقًا. يجب الدفاع عن السيادة ولكن يجب أيضًا الدفاع عن العلاقات مع الدول الأخرى، مع المجموعة الأوروبيّة. السياديّة هي مبالغة دائمًا ما تنتهي بشكل سيّئ. إنّها تؤدّي إلى الحرب”. وعن الشعبويّة، أجاب أنّها “من الخطاب نفسه”.

بين ماتيو سالفيني وفيكتور أوربان وماري لوبن في إيطاليا والمجر وفرنسا، وحزب البديل لألمانيا، وحزب الحرّيّة في النمسا، ودونالد ترامب في أميركا، والشعبويّة السياسيّة العائليّة الاجتماعيّة الماليّة السياديّة الانغلاقيّة العنصريّة المذهبيّة المتطرّفة التي تُعبَد وتُقدَّس في لبنان، ولدى الديكتاتوريّات العسكريّة والدينيّة وحيث تنتشر المجتمعات الظلاميّة في المنطقة العربيّة والإسلاميّة، السنّيّة والشيعيّة على السواء، يجب أنْ نشعر بالخوف والقلق والهلع.

القياميّون الانغلاقيّون الشعبويّون السياديّون الهوّيّاتيّون، أصحاب الخطب الحالكة، ورافعو الشعارات الغرائزيّة القطعانيّة، يقودون الحياة البشريّة برمّتها نحو الهلاك.

الهوّيّات القاتلة هي هوّيّاتٌ قاتلة (اقرأوا أمين معلوف). لا مستقبل للعالم تحت سنابك خطبٍ وشعاراتٍ كهذه. بل ثمّة مستقبلٌ وحيدٌ ينتظر هذا العالم، إذا نجح هذا الخطاب، وتَسَيَّد، وعُمِل به. مستقبل التضييق والعنف والحقد والكره والثأر والانتقام والقتل والإلغاء والاستئثار.

المسيحانيّة الصليبيّة التي شاهدنا صوَرًا مرفوعةً لها في لبنان في الأسابيع الأخيرة (تذكّر بمحاكم التفتيش في أوروبا الظلاميّة قبل مئات الأعوام)، والداعشيّات السنّيّة والشيعيّة التي تكاد تصير معيارًا ونبراسًا، والجهاديّات الانتحاريّة الإسلامويّة التي تقتل باسم الدين، هي وجوهٌ واحدة لعملةٍ واحدة.

… والخطب السياسيّة والمواقف الدينيّة التي تستثير (عندنا) مثل هذه “القيم”، ويلجأ إليها بعض الزعماء والقادة (الروحيّين) لترويج سياسات أحزابهم وتيّاراتهم، ولفرض إملاءاتهم ونواهيهم ومواعظهم، هي أيضًا وجهٌ من وجوه هذه العملة الواحدة.

فرنسيس، البابا فرنسيس، قلِقٌ من احتمال عودة هتلر.

يجب علينا جميعًا أنْ نقلق وأنْ نخاف!