//Put this in the section

لقاء المصارحة ضبط ايقاع الصراع… ومواجهة ”تشرينيّة” مرتقبة

مجد بو مجاهد – النهار

طُويت صفحة واقعة البساتين-قبرشمون وما رافقها من لهيب سياسي أخمده لقاء المصارحة والمصالحة في قصر بعبدا. وتعددت القراءات التي منها ما صوّر صيغة الحلّ على أنه “صولد” أو انتصار أحرزه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي #وليد_جنبلاط، فيما تبنت بعض الاستنتاجات نظرية التعادل السلبي بين المحورين المتصارعين. ويبقى التساؤل الأهم الذي أغفله البعض، في ما إذا كان حبل الصراع السياسي المستجد قد انقطع فعلاً، أم أنه وُضع جانباً بانتظار جولة جديدة من الكباش غير محددة الزمان والمكان؟ ما حصل أشبه بـlevel accomplished، فقد ساهم لقاء المصارحة في إحالة السياسة اللبنانية إلى عطلة صيفية.




وتتبنى أوساط سياسية واسعة الاطلاع نظرية نجاح جنبلاط في تجاوز “قطوع” لم يكن سهلاً، ففشلت محاولة إخراجه من المعادلة السياسية اللبنانية. وساهمت عوامل عدة في تأمين قارب سياسي يقود زعيم المختارة إلى شط الأمان السياسي، بدءاً من التوازنات القائمة التي تفرضها طبيعة التركيبة اللبنانية، إذ إنّ أي اختلال بها يؤدّي إلى اضطرابات وتوترات داخلية. ولا يغيب عن المشهد التضامن السياسي الواسع الذي حصده جنبلاط على أعلى المستويات، انطلاقاً من المرجعيات الرسمية – الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري – ومروراً بقوى سياسية فاعلة متمثلة بحزبَي “القوات اللبنانية” والكتائب.

وترى الأوساط أن هذه العوامل ساهمت في إعادة التوازن السياسي الذي كان مفقوداً في البلاد على أكثر من صعيد، مؤكدة دور جنبلاط الوطني، ومؤسِّسة لإعادة التوازن الداخلي وفق اتفاق الطائف الذي حاولت بعض القوى تجاوزه أو تعديله بالممارسة. وما لبث بيان السفارة الأميركية أن عزز موقع جنبلاط وحلفائه في معركة شد الحبال، وهو نقل علنياً ما كان يدور في أروقة السفراء الغربيين المغلقة، وفق الاوساط، فيما ظهر الارتباك السياسي سيد الموقف على مقلب محور “حزب الله”، مع نقل البندقية من كتف وزير إلى آخر، صُوِّر على أنه مستهدف بكمين، على خلاف ما أظهرت تحقيقات شعبة المعلومات التي نقضت نظرية محاولة الاغتيال، وفق الأوساط المذكورة.

ويبدو أن قلب صفحة حادثة قبرشمون، من شأنها أن ترسم معالم جديدة للعلاقة بين الحزب التقدمي ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون، رغم أن الابتسامات الموزعة في الصور الفوتوغرافية للقاء بعبدا بين جنبلاط وعون، لم تكن لتشير فعلاً إلى تخطي الحواجز بين الرجلين. لكن مشهديةً ترتسم تنبئ بإذابة الجليد بين الطرفين، خصوصاً وأن أجواء الحزب التقدمي تشير إلى إيجابية وعدم توافر نيات لافتعال سجالات مع بعبدا، وضرورة حصر الخلاف السياسي مع “التيار الوطني الحر”. ويتمثل العنصر الأبرز الذي من شأن مصالحة بعبدا أن تساهم في صنعه، في بشائر تهدئة على صعيد العلاقة بين الحزب التقدمي والحزب الديموقراطي اللبناني، وهذا ما عكسه الخطاب الهادئ للنائب طلال ارسلان، الذي يتلاقى مع حرص المختارة على رفض الانزلاق باتجاه أي توتر درزي داخلي. وعلمت “النهار” أن ثمة قراراً واضحاً لدى جنبلاط بعدم التساجل مع ارسلان رغم ما صدر من الأخير. ويبقى الترفع عن السجالات حفاظاً على الوحدة داخل الطائفة الدرزية وخدمة للتنوع السياسي فيها، هو الطريق الذي يحرص جنبلاط على تعبيده راهنا.

تبنّي مسار التهدئة يعبّر عنه بوضوح مفوض الإعلام في الحزب التقدمي رامي الريس، عبر “النهار”، مؤكداً أن جنبلاط لا يسعى إلى فرض معادلات جديدة بل التأكيد على التوازنات في البلاد من خلال الثوابت التي لطالما تمسك بها وهي الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار وتعزيز المصالحة وتكريسها في الجبل، وتجاوز محاولات إفشالها، والتأكيد على العيش المشترك والتعددية والتنوع في الجبل، وهذا هو المكسب الأساسي الذي من دونه تتلاشى كل الإنجازات والانتصارات. ويحرص جنبلاط على مسار لقاء المصارحة في بعبدا، وهو لا ينظر إلى اللقاء على قاعدة ربح أو خسارة. فمن انتصر هو الاستقرار في لبنان، بتجاوز أزمة كبيرة تفاقمت بعد حادثة البساتين. ويرتاح التقدمي لتطويق ذيول الأزمة على قاعدة أن يكون الجميع سواسية أمام القضاء، وأن يقوم بعمله كاملاً من دون تدخلات سياسية، وفق ما ينص عليه الدستور والقانون، وهي جميعها قواعد طالب التقدمي باعتمادها . ويأمل الريس أن “تؤسس هذه الخطوة لاستئناف الحياة السياسية والوطنية بطريقة طبيعية، وأن نعود جميعاً إلى الالتفاف حول الملف الأساسي الذي يشغل بال المواطنين وهو الملف الاقتصادي – الاجتماعي – المعيشي على ضوء تنامي التحديات على كل المستويات.

هل من فصول جديدة لجبهات سياسية مرتقبة بعد طيّ صفحة قبرشمون؟ المشهد لا يزال غير مطمئن بالنسبة لقوى سياسية غير معنية مباشرة بمشهد المصالحة في بعبدا. وكأن صفحة قبرشمون مطوية لكنها ليست محروقة، ويمكن التلويح بالورقة نفسها في أي وقت، خصوصاً أن بيان السفارة الأميركية هو الذي وضع حداً للنزاع السياسي، ولولاه لما كانت الأمور ستذهب في هذا الاتجاه. إلى ذلك، ثمة استحقاقات أخرى منتظرة، قد لا تكون أقل ضراوة من ملف قبرشمون. ويرى مقرب من الرئيس الحريري، في السياق، أن “هناك فخّاً كبيراً أمام الدولة، وهي عرض المادة 95 للتفسير أمام مجلس النواب الذي سيفتح باب البحث بها نظرياً في تشرين الأول المقبل، مع فتح دورته العادية. وهي مسألة بمثابة فخ خطر جداً، إذ يمكن الجدل أن يؤدي إلى مزيد من الانقسام على المستوى الطائفي في البلاد. ويتوقع خروج جهابذة القانون لطرح القضية وتفسير المادة كل من وجهة نظره”. ويعتبر المصدر أن “الغوص في معركة تفسير المواد سيؤدي إلى فتح آفاق تساؤلات مفخخة كالحديث عن مثالثة بدلاً من مناصفة، وطرح سجال طائفي ومذهبي حول هوية الرؤساء الثلاثة”. ويستقرئ المصدر “ملامح انقسام عمودي نتيجة إحراج القوى السياسية المسيحية القوى المسلمة، خصوصاً وأن كل فريق سياسي سيتخذ موقفاً يتناسب مع تأمين تمثيل أكبر لجماعته الطائفية في وظائف الدولة، ما قد يفتح الباب أمام انقسام سياسي، مسيحي – إسلامي”.