//Put this in the section

مصالحة بعبدا ما قبلها وما بعدها… إنها البداية في خريطة طريق طويل

هدى شديد – النهار

خلافاً لكل الانطباعات الأولية التي قرأت فيها رسائل تصعيد سلبية، أدى حديث رئيس الجمهورية ميشال عون لصحيفة “النهار” الإثنين الماضي، مفعوله الإيجابي السريع، بأن حدّد إطار الحلّ للأزمة الناجمة عن حادثة قبرشمون. وتبيّن تباعاً أن وراء رفعه سقف التحدي في أبرز العناوين الإشكالية، قدّم لمن تسلّقها سلماً للنزول إلى ساحة الحوار والالتقاء في الوسط.




من جهة، سحبَ ملف المجلس العدلي ممن تكبّد عبء حمله نحو شهر، بإعلانه أن “حادثة قبرشمون كانت كميناً لجبران وليس لصالح الغريب”، فاستعاد بذلك زمام المبادرة والمسؤولية الشخصية والعامة، انطلاقاً من كون وريثه السياسي في رئاسة “التيار الوطني الحر”، هو المستهدف، وبذلك يكون هو حصراً صاحب القرار الفصل في تحديد الوجهة القضائية للقضية.

واستتبع رئيس الجمهورية موقفه هذا، برسالة ثانية أنهى فيها شرط الإحالة إلى المجلس العدلي كمدخل للحلّ أو لإعادة عقد جلسات مجلس الوزراء، بقوله “لا فرق عندي بين قضاء عدلي أو قضاء عسكري طالما قانون العقوبات واحد”.

أما الرسالة الثالثة والتي بدا أن كثراً لم يقرأوا فيها إلا عنوانها، فوحده رئيس مجلس النواب نبيه بري استدركها لاحقاً، وبادر من حيث توقف في طرحه القديم قبل نحو شهر، بأن أقدم مجدداً نحو تحقيق مصالحة برعاية رئيس الجمهورية في بعبدا بين رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الحزب الديمقراطي طلال أرسلان. صحيح أن الرئيس عون قال في حديثه الأخير إنه “ليس شيخ عشيرة ليجمع الناس ويصالحها”، إلا أنه شرح في المضمون أنه عندما اجتمع في الفترة الأخيرة بطلال أرسلان والوزير صالح الغريب بحضور وزيرَيْ الدفاع وشؤون رئاسة الجمهورية الياس بو صعب وسليم جريصاتي والمدير العام للأمن العام اللواء عباس إبرهيم، إنما جاء ذلك بناء لطلبهم هذا الاجتماع، وقال حرفياً “إذا أراد وليد جنبلاط أن يزورني فأهلاً وسهلاً به، أما أنا فلا أدعو أحداً”.

رئيس مجلس النواب، الذي جاء قصر بعبدا صباح الثامن من تموز وبعد ثمانية أيّام على وقوع حادثة قبرشمون، ليصبّح على رئيس الجمهورية ويقترح عليه رعاية مثل هذه المصالحة، عاد لإلقاء “تحية المساء” عليه بعد شهر بالتمام ليل الثامن من آب بعدما تهاوت آخر المبادرات بتقاذف الشروط نفسها بين كليمنصو وخلدة. وعُلم أن رئيس المجلس تلقى الدعم الكامل من الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، للإقدام على مبادرته والإعداد لهذه المصالحة. وما إن اتصل بري برئيس الجمهورية حتى بادره بإعطائه الضوء الأخضر لاستضافة أي لقاء مصالحة في بعبدا. رئيس الجمهورية وبرعايته هذا الاجتماع الخماسي، لم يدعُ الوزير باسيل إلى المشاركة، رغم وجوده في القصر الجمهوري ومروره أمام الكاميرات وهو يتجه من مكتب رئيس الجمهورية إلى الجناح الرئاسي الخاص في ذلك اليوم. وهو بذلك ثبّت موقعه الوطني الحكم واستقلاليته، داحضاً “ظنّ معظم الأطراف أن الوزير باسيل مقيم معه في بعبدا، وأنه لا يقطع خيطاً من دونه”، من جهة، كما سحب فتيل الخلاف المسيحي – الدرزي وحصره بإطار موضعي درزي- درزي، بما يسهُل معالجته داخل البيت الواحد.

يقال إن “مصالحة” بعبدا لم تكسر وليد جنبلاط، كما لم تكسر طلال أرسلان، إلا أنها كرّست ثنائية وندّية بينهما في الزعامة الدرزية، وهذه الإشكالية الجوهرية هي التي تسببت بكل الخلافات والتداعيات التي سبقت وأعقبت حادثة قبرشمون. فأوساط الاشتراكي لم ترَ في “الطحشة العونية” في الجبل إلا محاولات متكررة منذ ما قبل الانتخابات لكسر زعامة المختارة. ولا ترى في الإصرار على استكمال زيارة رئيس “التيار الوطني الحر” إلى الجبل، من حيث انقطعت قسراً في الثلاثين من حزيران، إلا إمعاناً في التحدي والاستفزاز.

صحيح أن رئيس الجمهورية أكد أنه “ليس وصياً على جبران، وأنّ على من لديه قصص معه أن يحلّها معه مباشرة”، وهذا إن أشّر على شيء فإنما على أن الخلاف بين رئيس “التيار الوطني الحر” والحزب التقدمي الاشتراكي قيادة ومناصرين، لم يعالَج بعد، وينذر بتداعيات، إذا لم تكن على المستوى الشعبي فعلى المستوى الحكومي وداخل مجلس الوزراء في المرحلة المقبلة. وقد يتوسّع هذا الخلاف مع بداية طرح ملف التعيينات لا سيما إذا ما تبيّن أن ما قاله رئيس حزب التوحيد وئام وهاب، وما تكرر قوله من خلدة عن اتفاق صاغه وإرسلان مع حلفائهما “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” وبرضى الرئيس بري، بتقاسم الحصة الدرزية ثلثاً منها لهما معاً مقابل إعطاء جنبلاط فقط الثلثين.

هذا المبدأ ترى أوساط الاشتراكي أنه مبكر الحديث فيه، وترفضه “لافتقاده إلى أي منطق، فمن غير الممكن المساواة بين من لديه كتلة من سبعة نواب دروز، وبين نائب تُرك له مقعده وجاء بأقل من واحد في المئة في الشوف وبأقل من ١٢ في المئة في عاليه”.

في أي حال، الخلاف الدرزي- الدرزي “مقدور عليه وقد حلّ بالشكل”، وليصبح بالمضمون، وفِي كل تفصيل على حدة، يبدو أن رهان كل طرف هو على الحلفاء. والرهان الأكبر في المعادلة الجاري رسمها، هو الذي يعوّل عليه زعيم الاشتراكي في المصالحة الكبرى مع “حزب الله”، والتي فُوّض الرئيس بري من الطرفين بترتيبها، وقد نشهد على إخراجها قريباً في عين التينة. وفِي الموازاة، مصالحة الاشتراكي و”التيار البرتقالي” لا تقل أهمية عنها، وعلى نتائج المصالحتين تتوقف إعادة رسم خريطة الطريق إلى معادلة حكومية جديدة بتوازناتها الداخلية وبأبعادها الخارجية.