//Put this in the section

لبنان: مَن يبدد هواجس الانهيار… مرة أخرى – سام منسى – الشرق الأوسط

«هل بقي حكماء في البلد لمقاربات مبتكرة من خارج الصندوق تحاول كسر الدائرة والخروج منها؟». سؤال ختمنا به مقالة الأسبوع الماضي التي كانت بعنوان «لبنان… مَن يبدد هواجس الانهيار؟».

إن التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الداخلية في لبنان تؤشر جلياً إلى أن الحلول لن تأتي إلا من خارج الصندوق. فعلى الرغم من مظلة ما سميت التسويات من جهة والتفاهمات من جهة أخرى، أدت حال الشرذمة والانقسام الحاد إلى تفريغ المؤسسات كافة من أدوارها حتى بات القضاء نفسه واستقلاليته ونزاهته محط أخذ ورد وتشكيك، مع ما سبق ذلك من تطاول على الدستور والقوانين والأعراف.




لماذا والوضع وصل إلى ما وصل إليه، تستمر حال النكران والمكابرة؟ البعض يقضم ويربح على مهل والبعض الآخر ينتظر الترياق من تطورات قد تأتي أو قد لا تأتي وفي الحالتين تبقى مجهولة الأهداف والنتائج.

صحيح أن الحال ميؤوس منها، ولكن يبقى بصيص أمل لمخارج قد يعتقدها البعض أنها من الطوباويات ويقول البعض الآخر إن مجرد اقتراحها ضرب من السذاجة. لكن حال المراوحة والترنح يأخذنا باتجاه الانهيار الأكيد، وإذا لم تحصل أمور من خارج السياق جريئة وجديرة بالتجربة فالسقوط أصبح حتمياً. فهل من مساحة متاحة لجوامع مشتركة تسمح للأطراف بالجلوس معاً وتشكل أرضية صالحة لتسوية تاريخية تصح معها هذه المرة تسميتها بالتسوية؟ لبنان اليوم هو على صورة «حزب الله»، أمامه عقبات كثيرة ودماء، ولبنان 1943 بات من الماضي، فهل من لبنان ثالثُ نصبو إليه؟

الأرضية السليمة والتي يمكن الانطلاق منها للتوصل إلى مخارج تتطلب أمرين، الأول بنيويّ يقارب في مبتغاه المستحيل لأنه يفرض على الجميع التفكير في لبنان كوطن لا كمساحة جغرافية، والشعور بالانتماء إليه، وأن هذا الانتماء أقوى من كل الانتماءات الفرعية الأخرى، والتخلي تالياً عن التوجه إلى خارج حدوده بحثاً عن انتماء أو حامٍ. الآخر عملاني، فمن الواضح اليوم أن في لبنان غالباً ومغلوباً، الغالب هو «حزب الله» المتمترس خلف مجموعة «ميثاقية» من الأطراف كونها تضم الطوائف كافة والجالس فوق ترسانة عسكرية يقال إنها توازي ترسانات أكبر جيوش الإقليم. والمغلوب هو القوى التي تمثلت بحركة «14 آذار» وقوى أخرى يمكن تسميتها ليبيرالية – ديمقراطية، وهي اليوم مشتتة ومفككة. الصراع هو بين الطرفين، وتبقى أي مفاوضات بينهما ضرباً من العبث إذا لم تتشكل في وجه «حزب الله» جبهة متماسكة صلبة وواضحة الرؤى تعيد التوازن.

أما في المخارج، فهي تبدأ أولاً بتخلي جميع الأطراف عن المواقف الرمادية قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، والكشف عن مواقفهم الحقيقية إزاء القضايا المصيرية الأساسية المختلف عليها، وعلى رأسها لا للبنان القديم ولكن أيضاً لا للبنان «حزب الله». إلى كيفية استعادة الدولة وبسط سيادتها وحدها على أرضها وإمساكها زمام الأمور في وضع السياسات الداخلية والخارجية والدفاعية. ثم تحديد نظام حداثي تكون فيه صلاحيات مختلف المؤسسات واضحة ويضمن الخروج من اللعبة الطائفية والتوافقية ويعالج هواجس العدد والتغيير الديمغرافي. ثم التفاهم على قانون انتخاب وإجراء انتخابات تحت مظلة دولية إذا أمكن تنبثق عنها سلطة كباقي السلطات في الدول الحديثة.

يأتي بعدها تحديد الموقف من النزاع الإسرائيلي العربي وعليه مصير ومستقبل السلاح الفلسطيني وسلاح «حزب الله». الموقف من سلاح «حزب الله» لا يتجزأ، إذ إن القبول به في شقه المقاوم يعني حكماً القبول به في شق استعمالاته الداخلية وما تأمنه للحزب من فائض قوة وغلبة على الشركاء في الداخل، وفي شق استخداماته الخارجية وما تجره على لبنان. الموقف من النزاع العربي الإسرائيلي يحتّم طبعاً معالجة ومقاربة قضايا السلاح خارج الدولة.

إن حسم هذه القضايا دون مواربة وتدوير للزوايا وبالاستناد فقط إلى مصلحة البلاد العليا، يجب أن يكون قاعدة التفاوض: الهدف تظهير المواقف بين طرفين وسياستين واضحتين بهدف الوصول إلى تسوية. فالحال الراهنة كما كانت دوماً، تستند إلى قاعدة وحيدة هي التعطيل جراء توافق على مصالح ظرفية شخصية ومادية دون التوافق على الأساسيات، ما شل البلاد منذ عام 1969 وأوصلها إلى دولة فاسدة وفاشلة. لم تعد التسويات القائمة على التكاذب أو الانتهازية جائزة، وما شهدناه الأسبوع الماضي من مصالحة بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وحليف «حزب الله» وسوريا الأمير طلال أرسلان، إثر حادثة قبرشمون التي عطلت الدولة لأكثر من شهر، ليست سوى حلقة من سلسلة هذه التسويات.

وإذا لم يتم التوافق فينبغي الانتقال إلى التفكير في بدائل أخرى ومخارج عملية واجتراح مقاربات مقبولة من الطرفين تسمح بفك القيود عن البلاد ومعالجة شؤون الناس وعلاقات سلمية وسليمة بين الأطراف كافة.
هذا السيناريو يواجه دون شك عقبات جمة أبرزها:

– ارتباطات الأفرقاء اللبنانيين الخارجية لا سيما «حزب الله». فقد سبق واجتمع اللبنانيون في عام 2006 بعد انسحاب الجيش السوري، وحضر السيد حسن نصر الله الاجتماع شخصياً وتم التوافق على عدة بنود منها نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وترسيم الحدود مع سوريا واعتماد تمثيل دبلوماسي بينهما، لكنه ما لبث أن تنصل من كل ذلك عندما جاء أمر عمليات من دمشق على لسان أبو موسى (فتح الانتفاضة)، كذلك عندما وعد اللبنانيين بصيف واعد فكانت حرب يوليو (تموز) 2006.

– إن الفريق المعارض لـ«حزب الله» هم في الحقيقة أفرقاء، فمنهم من يخشى على السلم الأهلي فلا يتحرك ومَن شهد كيف تُركت سوريا لمصيرها لا يريد أن يغامر بمصير لبنان واللبنانيين. ومنهم من ينتظر تسوية إقليمية دولية يتموضع بعدها وفقاً لمصالحه الانتخابية الحزبية، ومنهم من اختار الاختباء وراء «الاهتمام بشؤون الناس الحياتية» من كهرباء ونفايات وبيئة، متجاهلاً أنه دون حل الأساسيات لن يبقى ناس ولا شؤون حياتية.

– غلبة الفكر الطائفي على الفكر الوطني عند البعض من الطرفين ومحاولات زج المسيحيين في منطق الأقليات، بما يدفعه إلى اعتبار اللحظة مؤاتية للانقضاض على اتفاق الطائف واستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية. كما غلبة الفكر القومي على الفكر الوطني عند البعض الآخر، بما يجعل مسألة مقاربة النزاع العربي الإسرائيلي من المحظورات.

– العوامل الإقليمية والدولية التي لا سيطرة لنا عليها.

أخيراً يقتضي الواقع أولاً معرفة منسوب لبنانية صناعة القرار لدى «حزب الله»، فأي حل غير قابل للتنفيذ ما لم يرضه وهو الفريق الأقوى المسلح الذي بات يسيطر على لبنان من العبدة شمالاً إلى الناقورة جنوباً، ولا يرى أي مبرر اليوم لتقديم أي تنازل لشركائه في الوطن وهو يعيش نشوة الانتصار في المنطقة من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا. ولهذا للأسف تبدو هذه المخارج طوباويات…