//Put this in the section

هل تخاطر إيران بالمواجهة؟.. هآرتس: طهران تُحضر بشكلٍ عالي المستوى لشن هجمات على إسرائيل

لم تكن الخطة الإيرانية المزعومة لإطلاق سرب من «الطائرات بدون طيار القاتلة» من سوريا نحو أهداف إسرائيلية، والتي أحبطها الجيش الإسرائيلي مساء السبت 24 أغسطس/آب، خطوةً غير مسبوقة بالنسبة لتل أبيب.

إذ كان هنالك في الأشهر الـ19 الماضية أربع محاولات على الأقل من جانب إيران، أو الميليشيات العاملة لصالحها، لشن هجمات بطائرات دون طيار أو صواريخ على إسرائيل، بدءاً بالطائرة دون طيار التي أسقطتها مروحية أباتشي إسرائيلية قبيل لحظاتٍ من اجتيازها الحدود في فبراير/شباط 2018، كما تقول صحيفة Haaretz الإسرائيلية.




تحضير إيراني عالي المستوى لشن هجمات على إسرائيل

الأمر المختلف في هذا التصعيد الأخير بحسب الصحيفة الإسرائيلية، هو أنَّ مستوى التحضير من جانب الإيرانيين يبدو أعلى مما كان في الماضي. ويمكن بصورة مباشرة ربط القرار الذي اتُّخِذ من جانب القيادة العليا للحرس الثوري الإيراني برغبته في الرد على ما أفادت تقارير، بأنَّها هجمات جوية شنَّتها إسرائيل على الميليشيات المدعومة إيرانياً في العراق.

إذ وسَّعت إسرائيل في الأسابيع الأخيرة نطاق هجماتها على أهدافٍ عسكرية مرتبطة بإيران، وأجرت عدة عملياتٍ في العراق، التي لا تُعَد دولةً معادية لها. وأثارت هذه العمليات، التي لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عنها، انتقاداتٍ أمريكية غير معتادة، بحسب هآرتس.

المُستجَد الآخر كذلك هو سرعة اعتراف إسرائيل بتلك الضربات على وجه التحديد، في صورة كلٍّ من إحاطاتٍ مفصلة من جانب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي وبيانات متزامنة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي حين أنَّ معظم الهجمات غير المُتبنَّاة كانت تستهدف «تهديدات مستقبلية» بحسب تل أبيب، قال الجيش إنَّ «الهجوم الأخير منع هجوماً وشيكاً على إسرائيل».

وبالطبع هناك أيضاً حقيقة التصادف لذلك مع مواجهة نتنياهو لانتخاباتٍ حاسمة في غضون ثلاثة أسابيع (أظهر نتنياهو قبل انتخابات أبريل/نيسان الماضي استعداداً مماثلاً لتبنّي الضربات في سوريا).

وعلى الرغم من عداء القيادة الإسلامية الثورية الشديد في إيران لإسرائيل لقرابة أربعة عقود، فإنَّها تجنَّبت المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل واستخدمت بدلاً من ذلك حلفائها المختلفين.

«فيلق القدس» يشارك مباشرة في الهجمات

تقول «هآرتس»، يُعَد التحول الاستراتيجي من فبراير/شباط 2018 نحو المشاركة النشطة لـ «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري في الهجمات نتاجاً للعديد من العوامل، بعضها ينبع من السياسات الإيرانية الداخلية والرغبة في إحراز «انتصارات دعائية». ففي حال كانت بعض الطائرات بدون طيار نجحت في استهداف إسرائيل، لكان الضرر بسيطاً؛ لأنَّ تلك الطائرات لا يمكنها حمل إلا بضعة كيلوغرامات من المتفجرات. لكنَّ الأثر على كلٍّ من الوعي العام الإسرائيلي والإيراني كان سيكون هائلاً.

وسببٌ آخر لرغبة الحرس الثوري في الإقدام على «مخاطرة» أكبر والالتزام بتصعيدٍ كبير مع إسرائيل هو «إحباطه من نجاح إسرائيل في منع خطته لإقامة وجود عسكري دائم في سوريا»، كما تقول هآرتس، بما يُشكِّله مثل هذا الوجود من تهديدٍ على قلب إسرائيل.

إذ ترى الصحيفة الإسرائيلية أن «تل أبيب حقَّقت نجاحاً مُعتبَرَاً، استخباراتياً في رصد المحاولات الإيرانية، وعملياتياً في مهاجمة وتدمير الأصول الإيرانية في سوريا خلال مئات الغارات، التي بقيت معظمها غير مُعترَف بها. لكن ينبغي أن تبقى أهميتها ماثلة كذلك».

ما الذي عجزت عنه إسرائيل أمام التواجد الإيراني في سوريا؟

تقول «هآرتس» إن إسرائيل نجحت في إحباط الخطط الهجومية الإيرانية ومنع إقامة قواعد طويلة الأجل على الأراضي السورية، لكنَّها عجزت عن تحقيق الهدف الشامل المتمثل في إنهاء كل الوجود العسكري الإيراني في البلاد. كان من المفترض أن يتحقق ذلك جزئياً عبر الضغط من جانب روسيا (والولايات المتحدة)، لكن كما أظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنَّه يلعب لعبة أكثر تعقيداً بكثير في سوريا.

فمنذ انتشار القوات الروسية في سوريا دخلت في شراكة مع إيران لدعم نظام بشار الأسد. ولم تتحرك في الوقت نفسه لمنع إسرائيل من مهاجمة الأصول الإيرانية هناك. ويتمثَّل الاتفاق غير المُعلَن بين نتنياهو وبوتين في أنَّه «يمكن لإسرائيل ملاحقة القدرات الهجومية الإيرانية حين تهدد تلك القدرات إسرائيل».

لكنَّ القوات التي حشدتها إيران في سوريا –وهي بالأساس تشمل مقاتلي حزب الله، والشيعة الأفغان، وأفراد الميليشيات العراقية والباكستانية- ظلَّت كما هي ولم تُمَس. تريد روسيا المقاتلين الشيعة على الأرض، حتى لا تكون مضطرة للمخاطرة بأعداد كبيرة من جنودها. بعبارة أخرى، وفَّرت إيران الجنود حطب المَدَافِع.

إسرائيل وإيران في مأزق داخل سوريا

وفي مراحل مختلفة أثناء الحرب في سوريا، منذ اندلاع الثورة في 2011، كانت هناك أصوات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تطالب بشن هجمات على قوات نظام الأسد، كما تقول الصحيفة الإسرائيلية، لكنَّ نتنياهو قيَّد عن عمد نطاق العمليات الإسرائيلية في سوريا، فلم يضرب إلا الأهداف التي «قد تُشكِّل تهديداً مباشراً لإسرائيل». وأصبحت هذه السياسة أكثر صرامة منذ وصول القوات الروسية إلى سوريا.

وترى «هآرتس» أن إسرائيل وإيران في مأزق داخل سوريا. فقد أبقت إيران الأسد في السلطة، لكنَّ خططها لتحويل سوريا إلى قاعدة أخرى لعملياتها بالوكالة –كما فعلت في لبنان والعراق واليمن- أُحبِطَت حتى الآن. ومع ذلك، هناك عشرات الآلاف من المقاتلين الشيعة في سوريا تحت السيطرة المباشرة لإيران. وكما أثبتت أحداث يوم السبت، فإنَّهم سيستمرون في محاولة استخدام سوريا كقاعدة انطلاق لشن الهجمات على إسرائيل.

«حرب الاستنزاف» الإسرائيلية قد تخرج عن السيطرة

تقول هآرتس، إن إيران قد اختارت -التي فوجئت بالتأكيد بدقة معلومات الاستخبارات الإسرائيلية الدقيقة حول قدراتها العسكرية في سوريا- عدم تصعيد الجولة الحالية من الهجمات، وادَّعت أنَّها لم تُصِب أياً من أهدافها. ولكن حتى لو انتهت هذه الجولة بتفوقٍ إسرائيلي ودون أي خسائر أو أضرار في صفوف الجنود أو المدنيين الإسرائيليين، فمن المهم أن تُطرَح الحرب التي تشنها إسرائيل ضد إيران -سواءٌ أهدافها ومخاطرها- للنقاش العام.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ نتنياهو، حين سُئل عن العمليات التي تجريها إسرائيل في العراق، تباهى قائلاً: «أنا لا أضع حدوداً لتصرفاتي»، وحذَّر من أنَّ إيران «ليست محصنة في أي مكان».

بيد أنَّ تصريحات نتنياهو وبعض الوزراء في حكومته، التي تصف وجود حربٍ فعلية ضد إيران، تثير مخاوف من أنَّ إسرائيل تحاول وضع أهداف طموحة قد تؤدي إلى وقوعها في ورطة.

لكنَّ تصريحات نتنياهو ليست مفاجأة. إذ تشهد أوقات الحملات الانتخابية الإسرائيلية منذ الخمسينيات اتِّباع سياسة أمنية شرسة، لا سيما حين يُتهَم الحزب الحاكم بالمرونة المفرطة في مواجهة الهجمات في ذلك الوقت. وهذه المرة يقاتل نتنياهو من أجل الفوز بولايةٍ أخرى بينما يتلقى انتقاداتٍ من اليسار واليمين بشأن ضعف الجيش أمام حركة حماس في قطاع غزة، والهجمات القاتلة التي تُنفَّذ في الضفة الغربية.

فهل قرَّر نتنياهو تصعيد «حرب الاستنزاف» في الشمال لتجنُّب النقد، وإظهار سيطرته على الوضع وقوة موقفه في بيئةٍ بعيدة عن الأنظار العامة، ويحظى فيها الجيش الإسرائيلي بأفضليةٍ على خصومه؟ وهل مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي ​​في هذه الحكومة الانتقالية، الذي ينشغل أعضاؤه بحملةٍ انتخابية، قادرٌ حتَّى على تقييم قرارات رئيس الوزراء؟

تقول هآرتس، إن «هذه الأسئلة مقلقة ويجب أن تُطرَح للمناقشة العامة والسياسية. إذ تُظهر التجربة أنَّ حروب الاستنزاف تميل إلى أن تصبح فوضوية، وأنَّ حتى العدو الأكثر هشاشة يمكنه تطوير ردود على القدرات الإسرائيلية. لذا يجب على المعارضة أن تطالب نتنياهو بأن يشرح للشعب الإسرائيلي ما نقاتل من أجله قبل تصعيد المواجهة مع إيران».