//Put this in the section

لبنان ومواجهة خطاب الكراهية

عديد نصار – العرب

تزامنا مع اليوم العالمي لإحياء ذكرى ضحايا أعمال العنف، 22 أغسطس، عقدت “المبادرة اللبنانية لمناهضة التمييز والعنصرية”، والتي شملت عددا من الجمعيات الحقوقية والمدنية وعددا من المحامين، مؤتمرا صحافيا في بيروت بعد ظهر الخميس الماضي، أعلنت فيه عن انطلاقتها الرسمية كـ”مظلة لجمعيات أهلية وناشطين حقوقيين تأخذ على عاتقها مواجهة خطاب الكراهية والتمييز والعنصرية”.




وكانت باكورة نشاط هذه “المبادرة” أن أعلنت عن تقديم دعوى قضائية أمام النيابة العامة التمييزية في بيروت بحق سبعة أشخاص (وكل من يظهره التحقيق) وهم بالاسم والصفة: جبران باسيل (نائب ووزير خارجية)، جورج عون (رئيس بلدية الحدث)، ناجي حايك (ناشط سياسي)، إيلي ماروني (نائب ووزير سابق)، زياد أسود (نائب)، رشيد جنبلاط (ناشط سياسي) وعلي بركات (منشد). أما موضوع الدعوى فكان “إثارة نعرات طائفية وأهلية- الجرم الموصوف في المادة ‘317’ من قانون العقوبات اللبناني”، في سابقة هي الأولى من نوعها في لبنان.

وجاء في مقدمة نص الدعوى مقارنة بين بعض ما جاء في خطاب سفير لبنان إلى الأمم المتحدة، شارل مالك، أمام الجمعية العامة خلال المناقشات التحضيرية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1947 واعتباره لبنان ملاذا آمنا للمضطهدين، وبين تغريدة جبران باسيل التي تضمنت مفهومه العنصري، الجيني، للانتماء اللبناني عام 2019.

أما في الوقائع فتضمنت الدعوى عناوين ثلاثة: إثارة النعرات المذهبية/ الطائفية (قرار رئيس بلدية الحدث المتهم الثاني جورج عون القاضي بمنع بيع أو تأجير أي عقار في نطاق بلدية الحدث لغير المسيحيين). والحض على النزاع بين مكونات الشعب اللبناني (ناجي حايك المتهم الثالث، منشور على صفحته على فيسبوك ينبش جرائم الحرب الأهلية ويهين ضحايا معارك سوق الغرب سنة 1989). وإثارة النعرات العنصرية والحض على النزاع بين عناصر الأمة (تغريدة جبران باسيل والتفوق الجيني).

وفي التفاصيل ما ورد على لسان المتهمين السبعة من خطب وتغريدات ومنشورات موثقة تحرض على الاحتراب الأهلي الطائفي والمذهبي وعلى اللاجئين السوريين والفلسطينيين، ما اعتبرته الجمعيات المنضوية في إطار “المبادرة” تهديدا للسلم الأهلي وخطرا داهما يطال جميع المقيمين، وقد طاولت أضراره الفادحة الكثيرين منهم بالفعل حتى الآن.

من الناحية القانونية تطرقت الدعوى إلى النصوص الدستورية والمواد القانونية والجزائية ذات الصلة، وكذلك إلى ما نصت عليه المواثيق والمعاهدات الدولية وخصوصا الشرعة الدولية لحقوق الإنسان والشرعة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية وسواهما، والتي سبق للجمهورية اللبنانية أن وقعتها وباتت جزءا من الدستور اللبناني بناء على تعديلات سنة 1990.

لم تكن هذه الخطوة باتجاه القضاء اللبناني الخطوة الأولى التي أقدمت عليها فعاليات لبنانية في مواجهة خطاب الكراهية، بل جاءت ضمن سياق ينبغي أن يعزز بمزيد من التنسيق والوعي، بدأه ناشطون عديدون عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي بعض وسائل الإعلام، ثم كانت تحركات واعتصامات منددة بخطاب الكراهية والعنصرية في عدد من ساحات بيروت تلاها بيان المثقفين والإعلاميين والحقوقيين المندد بخطاب الكراهية والعنصرية والذي وقعه المئات منهم في يوليو الماضي ردا على تغريدات جبران باسيل العنصرية، وعلى الممارسات التي أطلقها البعض ضد اللاجئين السوريين كما حصل في قرية دير الأحمر من اقتلاع سكان أحد المخيمات وإحراق خيامهم بما فيها، وسواها من الأحداث.

وإذا كانت “المبادرة” بجمعياتها وحقوقييها قد اختارت اليوم العمل في إطار المواجهة القضائية، فلا عيب في استنفاد كل السبل القانونية والمدنية للحد من هذه الظاهرة الخطيرة، ولنضع القضاء اللبناني على محك التجربة في استقلاليته ولمعرفة حدود تأثير القوى المسيطرة على قراره، وهي لا شك طويلة وممتدة.

أما ما أود قوله هنا، فمسألتان على جانب من الأهمية:

الأولى: أنه على المستهدفين بخطاب الكراهية من غير اللبنانيين، وهم السوريون والفلسطينيون تحديدا، أن يعوا أهمية مثل هذه المبادرات والفعاليات، وأنها تمثل حقيقة اللبنانيين الذين لم يكونوا يوما في منأى من المخاطر التي يحملها هذا الخطاب وهذا النزوع، بل كانوا هم أول المستهدفين منه. وبالتالي عليهم، أي السوريين والفلسطينيين في لبنان، أن يدركوا أنهم هم والشعب اللبناني في خندق واحد في الاستهداف من قبل حملة ومروجي خطاب الكراهية والتمييز، فلا يكون هناك رد عنصري على خطاب عنصري يقوده زعماء القوى المسيطرة ويروج له أتباعهم والمنتفعون.

والثانية أنه لا بد من فهم الخلفية المادية لخطاب الكراهية والعنصرية ومن ثم فضح أهدافه الحقيقية، إذ لا يمكن التصدي له وهزيمته ما لم نتعلم استشفاف المصالح الاقتصادية والسياسية التي تقبع خلفه.

وبالمناسبة، هل لنا أن نلاحظ كيف أنه وعند انفجار الأزمات الخدمية والمالية، وكلما مدت الأيدي إلى جيوب المواطنين تلتمس ما قد يكون قد تبقى فيها من أسباب الحياة، تثار زوابع غير مسبوقة من خطاب الكراهية المذهبية والطائفية والعنصرية. إنه نظام ائتلاف المافيات، يضع البلاد على حافة الاحتراب الأهلي ليخلو له طريق نهب مقدراتها وعرق أهلها، ومن ثم رهنها إلى مراكز الهيمنة لقاء دعمه في الاستمرار في السيطرة وفي النهب اللامحدود.