//Put this in the section

بشير الجميل رئيسا: انجازات في 21 يوما بفضـل “الهيبة” لا الصـلاحيات!

ليس 23 آب تاريخا عاديا في الرزنامة اللبنانية الحديثة، ولا في وجدان اللبنانيين. ففي ذلك اليوم من العام 1982، تحقّق ما كان يعتبره سوادهم الاعظم، “حلما”، بعد ان انتخب بشير الجميل، رئيسا للجمهورية. أعداء الرجل كانوا كثرا في الداخل والخارج، خاضوا معارك سياسية وعسكرية لا تعد ولا تحصى ضده، محاولين قطع الطريق امام تسلّمه مقاليد قيادة السفينة اللبنانية المشلّعة بالحروب والموت آنذاك. الا أن هؤلاء أيقنوا، ولو في قرارة نفوسهم، أن القائد الشاب قادر فعلا، بفضل شخصيته الفذة البعيدة كل البعد عن الرمادية والمسايرة والتلوّن، على ترتيب الامور في البلاد وانتشالها من جهنّم الحديد والنار الذي كان يتآكلها.

لم يتأخّر بشير في إثبات انه “رجل المرحلة” حينها. فبحسب ما يقول سياسي عايشه لـ”المركزية”، لم تكد تنتهي عملية انتخابه حتى بدأت مفاعيلها تظهر على الارض. الانتظام عاد الى عمل المؤسسات العامة والرسمية. الموظفون، من شرطي السير الى المدراء، عادوا الى العمل، يأتون في الوقت المحدد ولا يغادرون قبل انتهاء الدوام. عادت الامور “لتمشي متل الساعة”، وفق السياسي الذي يقول “الحكم “هيبة” أوّلا، قبل ان يكون صلاحيات ومواقف عالية السقوف. وهذه “الهيبة” تمكّن “البشير” من فرضها على مساحة الـ10452 كلم2، بين ليلة وضحاها.




هذا النموذج – الحلم، قدّمه الرجل في 21 يوما رئيسا، فقط لا غير. لم يحقق أيٌ من أسلافه انجازا مماثلا، بهذه السرعة أقلّه. وللأسف، أن ايا ممّن خلفوه أيضا، لم يتمكّن من صنع هذه “المعجزة”. فمشروع الجميّل الانقاذي للجمهورية الممزّقة، يبدو دُفن معه تحت أنقاض بيت الكتائب في الاشرفية الذي تم تدميره في 14 أيلول 1982 المشؤوم.

السياسي يشير الى ان ما يحزّ في قلوب اللبنانيين – الذين لا زالوا يتحسّرون على “الدولة التي كان يمكن ان يعيشوا فيها اليوم لو قُدّر لبشير ان يحكم – هو ان واقعهم بدل ان يتحسّن ولو درجة درجة منذ 37 عاما، آخذ في التقهقر والتراجع على المستويات كافة”.

ورغم الوعود الكثيرة التي يسمعونها بالمن والسلوى والاصلاح ومكافحة الفساد وانشاء الدولة القوية، الا ان أيا من هذه الشعارات لم يتحوّل حقيقة، بل على العكس. فالدولة اليوم تمرّ في أزمة اقتصادية قاتلة تكاد تكون الاخطر منذ عقود. النفايات تتكدس في الشوارع والحكومة عاجزة منذ سنوات عن ايجاد حل لها. روائح الفساد والصفقات تفوح من كل الملفات انمائية كانت ام سياسية ام قضائية..

لكن الاخطر بحسب السياسي، هو ان الدولة عاجزة عن فرض سيادتها وسلطتها على أراضيها وتبدو سلّمت بوجود مربعات أمنية وارتضت أن تملك اطراف محلية مدعومة من قوى اقليمية، ترسانة اسلحة تضاهي ترسانة الجيش اللبناني، وأن تنافسها في قرار الحرب والسلم وفي سياساتها الخارجية. كما ان ترسيم الحدود بين لبنان وجيرانه، لا يبدو اولوية لدى قادة البلاد، ربما لأنه يستفزّ فئات يناسبها ابقاؤها سائبة او انقطع عنها المال والسلاح.

حلّ الميليشيات كلّها، بدءا من القوات اللبنانية التي كان يرأسها، وبسطُ الدولة هيبتها في الداخل وعلى الحدود- وهي “ألفباء” بناء الدول- وعد بها الرئيس الجميل غداة انتخابه. هو عقد العزم على إقران القول بالفعل، وربما لهذا السبب، اغتيل. ومن بعده، أتى كلام كثير عن الدولة القوية بقي في الاطار النظري، ولم تأت الدولة بعد..

المركزية