//Put this in the section

الحريري: الغرق أو الإنقاذ… والبلد فوق كل الاعتبارات

رضوان عقيل – النهار

لم يخفِ الرئيس سعد الحريري انزعاجه من بعض المواقف التي رافقت زيارته الاخيرة الى واشنطن من جراء التشكيك بالدور الذي يضطلع به على الصعيدين السياسي والاقتصادي بغية تحصين لبنان أمام سيل من الازمات التي يعانيها، وآخرها التقرير المنتظَر لوكالة “ستاندرد أند بورز” وما سيحمله حول التصنيف الإئتماني. ويبقى ما يهم الحريري هو عدم تلقّيه اي اشارات سلبية من الرئيسين ميشال عون ونبيه بري اللذين لم ينتقدا برنامج زيارته الاميركية ولقاءاته وما حملته. وهو يستند هنا الى النقاط التي اتفقوا عليها في اللقاء الثلاثي الاخير في بعبدا، ولا سيما في الملف الاقتصادي الذي يحتاج الى علاجات سريعة تتطلب التطبيق الفوري قبل الوقوع في مزيد من الانهيارات.




وبعد عودة مجلس الوزراء الى الالتئام يعمل الحريري رغم كل التحديات التي تواجهه على وضع السكة الحكومية في اطارها الصحيح والعمل على تنفيذ البرنامج الاقتصادي الذي تم التأكيد عليه في البيان الوزاري ووضع الاسس المطلوبة لمندرجات مؤتمر “سيدر” من النواحي القانونية والتنفيذية، وان ما يردده الحريري ويسعى الى تطبيقه على الارض هو اعطاء الاولوية الكاملة للملف الاقتصادي والمراهنة في ما بعد على تحسين موقع لبنان في التصنيفات المالية والائتمانية شرط السير بجملة من الاصلاحات السريعة التي لا مفر منها اذا ارادت الحكومة استبدال المشهدية الاخيرة التي عاشتها طوال الشهرين الاخيرين وزادت معضلاتها اكثر بعد حادثة البساتين.

وفي هذا السياق يشدد الحريري على “ضرورة تضامن مجلس الوزراء رغم الشروخ والخلافات بين مكوناته التي يعمل الجزء الاكبر منها تحت اطار المظلة السياسية التي يغطيها لقاء الرؤساء الثلاثة، ولا سيما ان عون والحريري موجودان إلى طاولة مجلس الوزراء اضافة الى القوى الاخرى. وبعد اتمام مسيرة موازنة 2019 واقرارها وإن متأخرة، فإن ما يهم الحريري هو انجاز موازنة 2020 في مواعيدها الدستورية، وهذا ما يركز عليه بري ايضا، ولا سيما أن وزارة المال قد وضعت الخطوط العريضة لتلك الموازنة.

وفي زحمة اهتمامات رئيس الحكومة، تراه لا يتوقف بسهولة امام السهام التي طاولته وهو في واشنطن، وان مَن يقومون بمثل هذه الادوار لا ينفكّون عن “ممارسة هواياتهم”، اي بمعنى “وضع السم في الدسم”، من دون السؤال عن مصلحة البلد الذي يقبع تحت مجهر وكالات التصنيف الدولية.

الى ذلك، لا يعير الحريري اهتماما لكل الكلام عن وجود خلاف او “حساسية” بينه وبين بري لجهة مقاربة التعاطي الرسمي مع ملف خطير ووطني في مستوى تثبيت الحدود البرية وترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل، وان ملفاً بهذا الحجم لا يتحمل اي خلافات بين افرقاء السلطات الرسمية اللبنانية بل يحتاج الى تنسيق على مستوى القيادات الكبرى. وهذا الموضوع لا يمكن التعامل معه بين الافرقاء على خلفية الخلاف على تعيين اسم مدير عام في احدى الادارات.

وامام كل هذه الاسئلة التي تحمل في طياتها الكثير من القلق، يبقى لسان حال الحريري انه مستمر في مساعيه الايجابية والانتاجية رغم كل التحديات، وان مصلحة البلد تبقى لديه فوق كل الاعتبارات، وان الطابع الوطني ينبغي ان يكون هو السائد. ولا طريق امام البلد الا أحد مسلكين: الغرق او الإنقاذ.

وبالعودة الى مساحات التباعد بين افرقاء الحكومة، لم يعد من المنطق، رغم مساعي رئيسها، ان يطلق عليها عنوان “الوحدة الوطنية” وهي ليست كاملة الأوصاف ولا يحسن القيّمون عليها مقاربة “الأخطار السياسية” التي تواجهها وانتظار عاصفة التصنيفات المالية.

ويبقى ان اكثر المعنيين ببقاء الحكومة مجبرون على السير بموجب “التسوية الرئاسية” من منظار مصالح كل طرف ولا سيما منهم العونيين و”تيار المستقبل” مع تبيان ان حزب “القوات اللبنانية” هو من اكثر المتضررين إذ انه يواجه حصاراً من اكثر من جهة وسيكون أول الخاسرين من سلة التعيينات في اكثر من ادارة حيث يعمل الوزير جبران باسيل وفريقه السياسي على السيطرة عليها ورفعه شعار “استعادة حقوق المسيحيين في وظائف الدولة”.

وثمة جهات مسيحية ومستقلة لا ترى اي ايجابية في سياسات العونيين وطريقة مقاربتهم للتعاطي مع الدستور، ولا سيما بعد توجيه الرئيس عون رسالته الاخيرة الى البرلمان لتفسير المادة 95. وسيواجه “التيار الوطني الحر” معارضة شديدة من السنّة الذين يضعون الطائف في مرتبة “القداسة السياسية” وانه لم يعد من السهولة “تشليح” المسلمين اي مكتسبات في الدولة بعد اليوم، بحسب وزير مسيحي مخضرم. ولن تقف بكركي هنا متفرجة على الواقع المسيحي الراهن انطلاقاً من ارادتها المستمرة لجمع ابناء رعيتها، او على الاقل تنظيم خلافاتهم والاتفاق على القضايا الكبرى، وهي دخلت على خط مسألة التقريب بين الافرقاء المسيحيين مع ملاحظة ان الصراع الدموي بين العونيين و”القواتيين” قبل الطائف لا يقل خطورة عن صراعهما السياسي في مرحلة السلم.