//Put this in the section
سركيس نعوم - النهار

لبنان الدول والشعوب ينكُر أنه في محنة! – سركيس نعوم – النهار

لم يمنع كمّ الأفواه في السودان منذ عقود، ولا كبت الحريات على أنواعها وفي مقدمها السياسية والاعلامية، ولا الفساد المشترك بين العام والخاص، ولا استعمال الدين وسيلة لتغطية ذلك كله، لم يمنع الشعب السوداني المنقسم قبلياً ودينياً واجتماعياً واتنياً والمتقاتل بعضه مع بعض ومعظمه مع دولة البشير من الانتفاض سلماً عليها، ومن المطالبة بإزالتها وتأسيس دولة أخرى مكانها تؤمن بالمواطنية والديموقراطية والعدالة والحرية والعدل الاجتماعي… وبعد أسابيع من التظاهرات الاحتجاجية الحاشدة في العاصمة وفي الأقاليم حقق السودانيون أول نجاح لهم فقضوا على نظام البشير وأسّسوا شراكة مع الجيش من أجل جعل السودان الدولة الفاشلة دولة جدّية خلال ثلاث سنوات ونصف تقريباً. طبعاً لا يمكن الحكم منذ الآن على التجربة الانتقالية لكنها أعادت بعض الأمل الى الشعوب العربية التي أصابها “الربيع العربي” بعد تحوّله عاصفة مدمّرة بالخيبة والصدمة.

ولم يمنع كمّ الأفواه في الجزائر من قبل الذين قاتلوا الاستعمار الفرنسي سنوات وورثتهم ونجحوا في تحريرها منها، واشتراكهم مع أبطال الفساد في استغلال ثروات البلاد، وفي إفقار الناس و”تعييشهم” في أجواء من الخوف والكبت والحرمان من فرص العمل، لم يمنع ذلك كله الشعب الجزائري المنقسم أيضاً وإن غير متقاتل بسبب القبضة القوية للجيش والمؤسسات الأمنية من الانتفاض سلماً. فتظاهر قبل أكثر من شهرين وجعل تظاهراته الحاشدة التي تضم أطياف المجتمع كلها أسبوعية. وحقّق إنجازات لا بأس بها أبرزها دفع رئيس الجمهورية بوتفليقة الى الاستقالة وإقالة مسؤولين آخرين وإلقاء القبض على متهمين بالفساد وسوقهم الى التحقيق فالمحاكمة. لكن الأهداف الأساسية لم تتحقق بعد لأن المؤسسة العسكرية القابضة على الحكم والدولة والشعب من زمان تارة من وراء ستار وطوراً علانية، لا ترفض تغييراً لكنها تريده محدوداً على الأرجح بحيث تبقى هي صاحبة القرار النهائي وإن في صورة غير رسمية. وهي تبرر ذلك بحرصها على عدم وقوع البلاد في الفوضى والعنف. وربما يشاركها الشعب الجزائري المنتفض الحرص نفسه لا حباً بها لكن خوفاً من تكرار حرب السنوات العشر التي دارت بين النظام والاسلاميين، والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف بين قتلى وجرحى، وأيضاً خوفاً من عودة هؤلاء وإن على نحو غير مباشر عبر مئات آلاف المواطنين الجزائريين المسلمين الراغبين في تغيير دولتي وليس في تكرار تجارب الحكم الفاشلة الاسلامية، سواء أوصلها الشعب الى الحكم بالانتخاب أو مارسته فعلاً بقوة السلاح والفوضى والعنف حتى الإرهاب.




طبعاً ليس الهدف الكلام عن هاتين التجربتين دعوة اللبنانيين الى التمثّل بالشعبين السوداني والجزائري رغم أن الانقسامات داخل الأول كثيرة وعنيف بعضها، وكذلك عند الثاني حيث هناك البربر والعرب والمسلمون والاسلاميون المتشدّدون فضلاً عن جمهور المستفيدين. فالسودان كانت الدولة العربية الوحيدة التي انقلب جيشها على الحاكم ثم عاد الى ثكناته وأعاد طوعاً السلطة الى المدنية مرة وربما مرة أخرى. والانقسام الاتني اذا جازت تسميته كذلك لم يتسبّب باقتتال لأسباب متنوّعة أحدها أن الاسلام هو دين الجميع. أما لبنان فليس في شعبه من حسنات الشعبين الشقيقين شيئاً وفيه كل مشكلاتهما وانقساماتهما ولكن مضروبة بعشرة أو أكثر. ففيه دينان الاسلام والمسيحية متناحران على السلطة في البلاد.

وفي كل منهما مذاهب متناحرة من أجل سيطرة كل منها على المنتمين اليه. كما في كل مذاهبهما قيادات وزعامات وأحزاب هدفها الأول استعمال الدين ومتفرعاته للسيطرة وتحقيق المكاسب على تنوّعها. في اختصار صارت كل طائفة ومذهب أمّة في رأي المنتمين الى أي منهما أو بالأحرى غالبيتهم. وفي اختصار أيضاً عاشت هذه “الشعوب” حرباً دائمة منذ إعلان لبنان الكبير ثم استقلاله كان بعض معاركها سياسياً طاحناً وبعضها الآخر دامياً للبشر ومدمراً للبحر وقاضياً على الدولة بعدما حولتها دولة فاشلة. وهي لم تتوقف. لكن أضيفت إلى معاركها الآن واحدة اقتصادية ومالية ونقدية، وواحدة بين الدولة وبعض شعوبها والخارج الأميركي، وواحدة بين أميركا وإيران على أرضها وبواسطة شعوبها. وقد جعل ذلك الأخيرة ومعها الدول التي تحكمها من داخل الدولة في حال رعب دائم من حرب مدمرة بين اسرائيل و”حزب الله”، ومن نتائج حرب بين ايران واسرائيل وايران وأميركا وايران والسعودية، وحال رعب دائم من انهيار النقد في ضوء غياب “النمو” بالمقاييس الدولية والاصلاح فيها وتراكم الديون عليها، وخوف الدول المقتدرة الراغبة في مساعدة لبنان على نحو جدّي من المباشرة بذلك جرّاء عدم جدّية دوله الرسمية الثلاث وشعوبه الكثيرة، وطغيان الأنانية والمصلحية على مواقف القادة الرسميين والفعليين.

وبدلاً من أن يوقظ ذلك ضمير الحكام والزعماء فيعتدلوا ويتفقوا على الإنقاذ وبدلاً من استيقاظ ضمير الشعوب فتثور ولكن موحدة على هؤلاء فتعزلهم أو على الأقل تفرض عليهم احترام مصالحها وصون مصير البلاد، فإن الأولين مستمرون في غيّهم متجاهلين أو غير مصدقين أو ناكرين أنهم في مشكلة هائلة، والآخرين مستمرون في الانقسام والاستنفار للنزول الى الشارع والتقاتل من أجل حماية مكاسب القادة الملهمين.

والمؤلم في هذه الحال أن المسؤولين يحملون الاعلام مسؤولية فشلهم وأذاهم للبلاد، ويهدّدونهم بقوانين تعود الى الأربعينات من القرن الماضي و”يربّحونهم جميلة” بأنهم لم يلجأوا إليها لمعاقبته. كما يحمّلون مؤسسات التصنيف الدولية المسؤولية نفسها ويطلبون منها تجاهل الحقائق والأرقام الموثّقة حماية لهم وليس للوطن وشعوبه. الله يستر.