//Put this in the section

كركلا إن حكى – سوسن الأبطح – الشرق الأوسط

ما أن بدأت «الشرق الأوسط» بنشر الحلقات الثلاث التي يتحدث فيها عبد الحليم كركلا عن تجربته الفريدة، في عصر استثنائي خصب، لمع فيه عباقرة ونجوم في الشعر والأدب والموسيقى، لن يتكرروا، وغالبيتهم ذهبوا دون أن نعرف عنهم عميقاً ما عاشوا، حتى بدا لي، وأنا أعاود القراءة، أن ثمة مجزرة تاريخية ارتكبها هؤلاء بحقنا، وحق أنفسهم.

غالبية الأسماء التي ذكرها كركلا في حديثه الطويل والشائق باتت في العالم الآخر. رحلوا دون أن يتركوا لنا مذكرات، أو مقاطع من اعترافات، ولا نعرف إن كان ورثتهم يحتفظون بشيء، وهل يودون مشاركتنا إياه، أم يصرّون هم أيضاً على مداراة الحقائق، حتى حين لا تكون سرّية بالمعنى الذي نفهمه جميعنا.




ما رواه كركلا يقربنا من الأرض، يعيدنا إلى أنفسنا. فيروز والرحبانيان، وسعيد عقل، كما أنسي الحاج، وزكي ناصيف، وفريد الأطرش، وآخرون شكلوا جزءاً من الوجدان الشعبي اللبناني والعربي. هم بأغنياتهم وقصائدهم وألحانهم اخترقوا أحاسيسنا، حركوا مشاعرنا، بهم أزهرت أيامنا، وعلى هدهداتهم، نامت آلاف النفوس الهاربة من قلقها.

لم يبح كركلا بأسرار تهزّ صورة أي من الذين تحدث عنهم، لم ينتهك خصوصياتهم. كان رغم رغبته في الكشف، حريصاً على أن يبقى في المساحة التي تحتملها الذهنيات المعتادة على الكتمان. ومع ذلك له الفضل الكبير في أنه أتاح لنا معلومات وافرة يمكن أن نبني عليها لفهم المزيد، لإغناء الذاكرة، ولإعادة تركيب جزء مهم من الخريطة الفنية في النصف الثاني من القرن العشرين، التي لا نعرفها إلا متشظية. كان ذكياً وهو يتخير ألفاظه، حيوياً وهو يقص حكاياته، مدركاً بفطنته أن عليه أن يقول دون أن يجرح، وأن يفصح دون أن يتعدى على حياة الآخرين. روى بمنتهى اللياقة قصته مع أبطال ذاك الزمن وهو أحدهم. عن علاقته الأولى بالرحابنة، عن إباء الشاب الرياضي الباحث عن طريقه وسط الكبار، بكثير من الأنفة والطموح، إلى أن وصل إلى مدرسة الرقص التي يبحث عنها في لندن ويصطدم بشح المال وضعف المستوى الذي يؤهله للالتحاق بها، لكنه يتخطى الصعاب بإرادته وجهده وبقليل من الحظ، ويصعد…

قصص النجاح ملهمة دائماً، ولا تخص أصحابها وحدهم. الشبان يقتدون بمسارات من سبقهم في محيطهم وبيئاتهم. لا يلهم اللبناني أو السوري أو المصري، الصيني جاك ما مؤسس موقع «علي بابا» أو الأميركي بيزوس صاحب «أمازون»، بقدر ما تؤثر بهم حكايات أبناء جلدتهم الذين يعيشون على شاكلتهم، وظروفهم وعثراتهم عينها، لهذا كان صعود كارلوس غصن لنا كبيراً، وسقوطه مدوياً. لم تكن الفتيات من جيلنا يرين في سيمون دوبوفوار نموذجهن في التحرر بقدر ما كانت غادة السمان وحنان الشيخ وليلى بعلبكي ونوال السعداوي.

أن يتكلم الكبار عن أنفسهم كبشر لهم لحظات ضعفهم ومكامن قوتهم، ليس الهدف منه البصبصة على خفاياهم، ونشر الفضائح والتسلي بالترهات، بقدر ما هو إعادة بناء كينونة ناجحة في مختلف أبعادها، وفهم الشخصية وتكوينها ودوافعها وطموحاتها. هؤلاء هم تاريخنا النابض بيومياته وحبائله وضغائنه كما بجمالياته ونضالاته وتوثباته. حين يتكلم كركلا تشعر بأنه يروي قطعة من تاريخك، يقبض على بعض من ثقافتك، وأنه عالم بما يفترض أن تعرف، كي تكتمل رؤيتك لنفسك ومن حولك.

كانت «الشرق الأوسط» قد عرضت ذات يوم، فكرة مشابهة من 5 حلقات على الشاعر الراحل سعيد عقل، لكن عوائق كثيرة وضعها الرجل حالت دون اكتمال الفكرة. كان بمقدور صاحب «رندلي» أن يتخفف من نظريات العظمة والفخامة، ويمسك بيدنا إلى شيء من يومياته وحميماته لنعرفه أكثر، ليساعدنا في قراءة ذواتنا، لكنه لم يكن مهتماً ولا مدركاً لأهمية الخطوة، وأخطأ. غالباً ما تصطدم بجدار صلد من الكتمان، وأنت تتحدث إلى أصحاب التجارب الكبرى في بلادنا، حتى بعد مرور الزمن، وانقضاء الحدث، يبقى الخوف قابضاً على العصب. تركتنا الروائية العراقية ديزي الأمير، ولم تتحدث أبداً بصراحة عن شخصية الشاعر المنتحر خليل حاوي الذي كانت خطيبة له لفترة، وحياته من بين الأكثر غموضاً وجدلية. وحين تجلس مع روائيات أخريات مخضرمات، تسمع من الحكايا التي يردنها أن تبقى طي الكتمان ما يمكن أن يملأ مجلدات.

إن لم تأتِ الشفافية من النخبة، والشجاعة من المعرفة، والمواجهة من شيم المبدعين، فلمن تترك المهمة؟ تحية لعبد الحليم كركلا الذي تحدث عن بداياته المتواضعة، عن كفاحه الذي لم يتوقف، عن صعوباته المالية الأولى، عن بحثه المضني عمن يُبقي وحيه الفني متوقداً. اعترف أنه أشعل جذوة الرقص على مسرحه بكلمات سعيد عقل وأنسي الحاج وطلال حيدر، وأنه أوصل أعماله إلى العالمية بفضل مارسيل خليفة ومنير بشير وزكي ناصيف وآخرين. لم يخجل الرجل من الحديث عن افتقاده لمبدعين من حوله، عن خلو الساحة من الملهمين الذين صار يبحث عنهم في كل مكان، ولا يجدهم، عن خوفه على صحة الشاعر طلال حيدر، واهتمامه بلياقته الشخصية. البوح من شيم الكبار، ومن صفات الكادحين المخلصين. ومن أكبر عيوب عصرنا العربي، أن صنّاعه الحقيقيين – وهم بالتأكيد ليسوا السياسيين الذين سيطويهم التاريخ كما نسي غيرهم – مصرّون على ألا نعرف منهم سوى وجههم الرسمي الذي يبقى شاحباً وفقيراً، من دون بعده الإنساني الرحب.