//Put this in the section

أنطوان الخوري حرب… مناضل مات مظلوما

اسكندر خشاشو – النهار

توفي المناضل انطون الخوري حرب صباح اليوم، تاركاً رفاقه واصدقاءه في صدمة كبيرة، خصوصاً انه بنى خلال عمله النضالي والسياسي والصحافي شبكة كبيرة جداً من العلاقات، ولم يمنعه التزامه الحزبي من البقاء على تواصل مع الجميع، ومنهم الخصوم.




بدأ الخوري حرب عمله السياسي باكراً، متأثراً بكتابات سعيد عقل عن القومية، وانتسب الى حزب “حراس الأرز” حيث تدرج خلال الحرب، ومع تسلّم العماد ميشال عون الحكومة العسكرية التحق بالجيش، وغادر إلى فرنسا بعد سقوط بعبدا، وبقي فيها لغاية 1992 حيث عاد إلى لبنان وبدأ فترة النضال مع “التيار الوطني الحر”، وأصبح مسؤولاً عن قطاع الشباب وبقي في منصبه حتى 2005.

لمع نجم الخوري حرب خلال هذه الفترة، فهو كان من بين المحركين الاساسيين للتحركات للتحركات الشبابية والطالبية رفضاً للاحتلال السوري، وعرف عنه شراسته وثباته رغم ما كان يتعرض له من اعتقالات وتهديدات وصلت الى ذروتها عام 1994 عندما اعتقلته المخابرات السورية في البوريفاج بتهمة إلقاء قنبلة على شاحنة تابعة للجيش السوري. وقاسى يومها عذابا هائلا وفق شهاداته التي دونها في كتابات ومقابلات عدة. وبالرغم من هذا كله وخروجه من زنزانة التعذيب قبل ان يلفظ انفاسه بقليل، تابع الخوري حرب مسيرته النضاليه، وأسس قطاع الشباب في “التيار الوطني الحر” الذي كان عصب التحركات الميدانية. وكان الحاضر الأول والدائم على الارض، واول المعتقلين بعد تحرك وتظاهرة. اثناء احتجاجات 7 آب الشهيرة عام 2001 كان الخوري حرب وعدد قليل من رفاقه اول المبادرين الى التحرك، فتم اعتقاله قبل يومين من الحملة الشهيرة، وتلا ذلك اعتقال والدته ورميها على الطريق، فكان الحدث الاكبر الذي أثر فيه، لكنه لم يردعه عن الاستمرار في عمله الحزبي، بل اصبح اكثر استشراساً حتى اصبحت اخبار اعتقاله مع رفاقه طبيعية وروتينية. وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري كان الخوري حرب من القياديين البارزين الذين شاركوا في ثورة الاستقلال والتحركات على الارض وفي ساحة الشهداء، لينتقل بعدها الى التحضير لعودة رئيس تياره العماد ميشال عون.

العودة الحلم بالنسبة اليه تحولت كابوساً، فمنذ وصول عون الى لبنان وانخراطه في السياسة بدأ التباعد مع الخوري حرب، وكانت الباكورة طلب عون منه عدم الترشح للانتخابات النيابية عام 2005 في البترون لمصلحة جبران باسيل، لتكر بعدها سبحة الخلافات “بسبب الانحراف السياسي والتنظيمي المتعلقين بالتحالفات مع رموز النظام السوري ومع أشخاص فاسدين تاريخهم معروف بالارتهان للنظام السوري والفساد، وبسبب التوريث في التيار وتحويله إلى حزب إقطاع عائلي”، بحسب ما كان يصرح به دائماً لسائليه.

وازداد التباعد خلال السنوات اللاحقة بينه وبين “التيار”، لكنه لم يبتعد عن العمل السياسي رغم انكفائه عن الواجهة، وبقي حاضناً للمناضلين الذين بدأوا يبتعدون واحداً تلو الاخر عن القيادة الحزبية، ليؤسس لاحقاً مع عدد من القياديين والمسؤولين السابقين المعارضة العونية، التي بقي نشاطها محدوداً، وابقى رابطا حزبياً مع “التيار الوطني الحر” عبر عدم تقديم استقالته حتى عام 2015 بعد انتخاب الوزير جبران باسيل رئيساً للحزب، وهو كان اشرس معارضيه وكان يصفه بأنه “مريض بكل أنواع الامراض النفسية، واولها مرض الفساد السياسي وتدمير شرفاء حزبه ومناضليه”. فقدم استقالته لينضم الى صفوف الحراك المدني ويكون أحد مرشحيه في البترون في انتخابات 2018.

لانطون الخوري حرب علاقة عاطفية كبيرة مع جريدة “النهار”. ورغم توليه رئاسة تحرير صحيفة اخرى، بقيت “النهار” بالنسبة اليه منبر الحرية الأول والمؤسسة الناطقة باسم الاحرار والمناضلين. ويكشف صديقه انطوان نصرالله، انه اثناء اعتقالاته المتكررة كان يرسل مقالاته عبره الى الزميل غسان حجار لنشرها في أعداد “نهار الشباب”، وهذه القصة بقيت سرية حتى الآن. ولا بد من الاشارة الى ما أعلنه صديقه عضو المكتب السياسي الكتائبي شارل سابا انه ابلغه عن كتابة مقال لم يكن يعلم انه الاخير عن “حال القضاء” ويود نشره في “النهار”.

وفي السياق، يقول نصرالله: “في آخر ايامه كان يشعر بالاحباط، كحال الكثير من الشباب في الوطن، وخصوصاً نحن الذين ناضلنا على امل التغيير ولم نستطع ان نصنعه، وعاد تحالف السلطة والاقطاع والعائلات بعد زوال الاحتلال ليفرض قبضته من جديد على السلطة”، مضيفاً: “لسنا نادمين لكننا لم نتوقع الذي حدث”.

ويتابع: “طوني حلم وآمن بلبنان خلال جميع فترات حياته منذ انخراطه في انصار الجيش والنضال على الارض، الخطب والتحشيد والسجن والعلم الذي استمر في تحصيله ونيله الدكتوراه كان كله لبناء لبنان، والغصة اليوم اننا لم نحصل عليه وهو ذهب ولم نحقق منه شيئاً”.

ويؤكد نصرالله ان بيان النعي الذي صدر عن “التيار الوطني الحر” اليوم هو اعتراف بالحالة النضالية التي نمثلها جميعاً، وهو يناقض جميع الاتهامات التي سيقت ضدنا بالغدر والخيانة وغيرها من الاتهامات، فالخائن لا تنعاه قيادته على انه مناضل، وبهذا تكون ردت ولو جزءا قليلا من حقه المسلوب”.

من جهته يرد رفيقه في النضال وفي المعارضة الحزبية رمزي كنج على اتصالنا من داخل صالة الكنيسة في تنورين حيث يتم تقبل التعازي، ويقول بحزن: “انا في مأتم الانسان المندفع الشجاع المقدام الذي كان دائماً في الطليعة وكنا جميعنا خلفه”.

يضيف كنج: “اجتماعاتنا الاخيرة كانت تشبه اجتماعتنا الاولى في التسعينات. يحضر طوني بالاندفاع نفسه والروحية والثورية نفسها، وكأنه لم يتغير شيء. يحاضر يصرخ ويشجعنا”، لافتاً الى أن “علاقة المناضلين ايام الاحتلال اصبحت كعائلة فنحن نتشارك الافراح والاتراح وايام العسر واليسر”.

وينفي كنج الاستعداد لعمل سياسي او حزبي جديد داخل التيار او خارجه، “انما كان همنا تأمين استمرارية الخط الذي آمنا به واجتمعنا جميعنا على محاولة حمايته”. ويختم: “نعم، طوني كان من المظلومين كما العديد من رفاقه، ومات مظلوماً ولم يعترف احد حتى الساعة بهذا الظلم، وهو الثاني او الثالث من الرعيل القيادي المناضل يموت مظلوماً من دون ان يرف جفن احد”.

في المقلب الاخر، يصف النائب الان عون رفيقه السابق بالشجاع، “فهو كان مقداماً خصوصاً خلال فترة الوجود السوري في لبنان، لا يخاف، وكان يتميّز بأنه رأس حربة وفي الخطوط الامامية في جميع التحركات. في القترة الاخيرة لم نلتق، لكن الموضوع لا علاقة له بالامور الحزبية، فأنا ما زلت على علاقة مع الكثير من الكوادر السابقين رغم تركهم الحزب، لكن الظروف لم تجمعنا”.

ويعترف عون بنضالات الخوري حرب ورفاقه، مشيراً الى ان “هذه النضالات كان لها الفضل الكبير على الحزب وعلى مكانته الحالية”.