//Put this in the section

موسم “النصر الإلهي”… “حدود” القوة الصاروخية – رفيق خوري – انديبندنت عربية

في مثل هذه الأيام من عام 2006، أوقف القرار الدولي 1701 “حرب لبنان الثانية” بحسب التّسمية الاسرائيلية “للعدوان”. وكانت الحرب، كما تردد وقتها، فصلاً في سيناريو أميركي شامل عنوانه “الشرق الأوسط الجديد”. وكانت الروايات اللبنانية تعطي الدور الأول في السيناريو لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، التي زارت بيروت. لكن رايس روت في مذكراتها “لا شرف أعلى” أنها واجهت الرئيس جورج بوش الابن ونائبه ديك تشيني، اللّذين أرادا “إعطاء إسرائيل فرصة لإكمال عملها في الحرب”. في حين أرادت هي المسارعة إلى صدور “قرار دولي يوقف الحرب”. وكشفت عن أن جون بولتون، المندوب الأميركي في الأمم المتحدة يومها “كان يطلع الإسرائيليين على مستجدات المفاوضات ومسودات إدارة بوش حول وقف النار”. وهذا ما أكده تشيني في مذكراته بالقول “كان بإمكاننا تقديم المزيد من الدعم للتطلعات الديمقراطية لشعب لبنان والمساعدة في تطويق الهيمنة المتنامية لإيران وسوريا في المنطقة، لولا جهود رايس غير الواقعية لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني”.

الحرب لم تحقق أهدافها. والسيناريو الشامل فشل. والمعركة المصاحبة للحرب في بيروت كانت فرض الموقف الرافض لبناء القرار 1701 على الباب السابع من الميثاق الذي يجيز التطبيق بالقوة. فما توقعته واشنطن حول “شرق أوسط ديمقراطي مسالم ومزدهر” رأى ريتشارد هاس أنه “لن يتحقق”. وتنبأ بشرق أوسط جديد “سيحدث الكثير من الأذى لنفسه وللعالم” وبأن إيران ستكون “واحدة من أقوى دول المنطقة لأنها نواة قوة امبراطورية كلاسيكية مع طموح لجعل المنطقة على صورتها ومثالها”.




أما حكومة إيهود أولمرت، فاعتبرت القرار وتعزيز القوات الدولية في الجنوب اللبناني نوعاً من “الربح” لها، وضمان الأمن على الحدود، وهو ما استمر تماماً حتى الآن على مدى 13 عاماً. أما “حزب الله”، فاحتفل بما سمّاه الأمين العام حسن نصرالله “النصر الإلهي”. وهو يتحدث حالياً عن “توازن الرعب” مع إسرائيل عبر القوة الصاروخية الضخمة التي امتلكها، على الرغم من قيود القرار الدولي. فما تقصفه إسرائيل من صواريخ إيرانية للحزب هو على الأرض السورية، لا على الأرض اللبنانية. وهو كما قال نصرالله “لا شيء بالمعنى العسكري”.

والشائع أن “حزب الله” يملك 150 ألف صاروخ. وهي خليط من صواريخ متطورة ودقيقة وأخرى غير دقيقة، وأكثر مما تملكه حتى دول كبرى في العالم. فالأولوية في “جمهورية الملالي” لإنتاج الصواريخ التي وُزع بعضها على وكلائها في لبنان والعراق واليمن وغزة، وتخزين القسم الأكبر على الأرض الإيرانية. وهذا في إطار استراتيجية لتحقيق مشروع عنوانه “محور الممانعة والمقاومة”، وفحواه الهيمنة على المنطقة، وأقله “حكم أربع عواصم عربية” هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، بحسب مفاخرة المسؤولين الإيرانيين. ذلك أن الصواريخ أحدثت تحولات مهمة في الاستراتيجيات العسكرية الدفاعية والهجومية. ففي كتاب “خطة لعبة”، يقول البروفسور زبغنيف بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في رئاسة جيمي كارتر إن “العصر النووي جعل الصراع لعبة بلا نهاية”. وفي الواقع الميداني، فإن العصر الصاروخي جعل المعارك سهلة وممكنة من جهة، وخطرة وخطيرة من جهة أخرى. سهلة وممكنة بالنسبة إلى الطرف الضعيف في مواجهة الطرف القوي. وخطرة وخطيرة على الطرفين معاً. فلا شيء بعد الآن اسمه جبهة داخلية آمنة وهادئة وراء جبهة حدودية متفجرة. ولا مجال لإقدام طرف قوي يمتلك أحدث الأسلحة المتطورة على ضرب طرف أضعف منه من دون أن يتلقى رداً. هذا ما كشفته حروب إسرائيل على غزة وعلى لبنان. وهذا ما يتكرس تأكيده في ما تسميها إسرائيل “المعركة بين الحروب”.

وفي العادة، فإن المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل يهددون بـ “إعادة لبنان إلى العصر الحجري”، رداً على أي هجوم لـ “حزب الله”. اليوم نسمع في طهران من يهدد بمحو إسرائيل من على الخارطة خلال “سبع دقائق ونصف دقيقة”. وفي ذكرى الحرب على “حزب الله” ولبنان، أكد نصرالله أن صواريخه قادرة على الوصول إلى أي مكان في إسرائيل وإحداث دمار هائل في كل المراكز الحيوية. ومن الإشارات اللافتة جداً، تذكير الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نصرالله وتحذيره من أن الرد الإسرائيلي سيكون بالغ العنف.

والواقع أن الانقلاب الاستراتيجي “الذي أحدثته الصواريخ محكوم بأن يبقى تحت سقف الروع المتبادل. فما تفعله المعارك الصاروخية هو تبادل الإيذاء والتدمير. وما تعجز عن فعله وبثمن كبير جداً هو تحرير “الأرض المحتلة”. وهذا ما يصح على القصف الجوي مهما تكن قوة سلاح الطيران، وطبعاً على عمليات الطائرات المسيّرة. والمدنيون هم أكثر الضحايا في تراشق العسكر بالصواريخ. ولا أحد يعرف ماذا ينتظرنا بعد موسم الكلام الكبير.