//Put this in the section
سركيس نعوم - النهار

السوق الموازية 2,5 ملياري دولار إلى 3 / 4 ملايين! – سركيس نعوم – النهار

شركات الصيرفة ومكاتبها تهدّد بإعلان الاضراب احتجاجاً على تحميل اللبنانيين وجهات سياسية عدّة، قد يكون بعضها رسمياً، لها مسؤولية نشوء سوق موازية للدولار الأميركي، الأمر الذي رفع سعره العملي من 1500 ليرة تقريباً الى 1535 أو 1550 ليرة في الآونة الأخيرة. وما كان لهذا التهديد أي موجب لو كانت المصارف في البلاد تلبّي حاجات المواطنين من تجار ورجال مال وأعمال وكذلك المواطنين العاديين الى العملة الصعبة وفي مقدمها الأميركية، ولو كانت استمرت في العمل بالحرية السابقة التي اعتادوا عليها باعتبارها جزءاً من النظام وعلى كل الصعد في لبنان. إذ صارت تطبّق قيوداً من دون صدور تعاميم بها من مصرف لبنان وإن بنوع من التفاهم الضمني مع بعضها ثم معه. ولم يعد في إمكان الناس تحويل أموالهم اللبنانية المودعة في البنوك الى الدولار كلياً أو جزئياً، كما لم يعد في إمكانهم سحب المبلغ الذي يريدون منها اذا كانت بالدولار وخصوصاً إذا كان كبيراً بعض الشيء، اذ صارت هي من يحدد ما يحتاج اليه صاحب المال منه. فضلاً عن أن التحويل الى الخارج لم يعد بالسهولة السابقة، وربما لا ينجح في اتمامه الا أصحاب النفوذ وما يرافقه من ممارسات. وفي هذا المجال ليس سراً أن المصارف هي التي تدفع زبائنها الى “الصرافين” أي الى السوق الموازية لشراء الدولار عند حاجتهم الى ذلك أو بالأحرى تنصحهم. وطبيعي في هذه الحال أن يتحكّم العرض والطلب بسعر الدولار من العملة اللبنانية في سوق حرة، رغم الانتقاص المتزايد من حريتها مثلها مثل أي سلطة أخرى في السوق، وأن يرتفع سعر الدولار عندما يشحّ فيها ويكثر الطلب عليه. وطبيعي أيضاً أن يمارس “الصرّافون” أو بالأحرى بعضهم العقلية اللبنانية المركنتيلية التي يعتبرها كثيرون ميزة تعبّر عن “الشطارة”، فيعمد الى زيادة أرباحه ولا سيما في دولة غائبة ليس للقانون فيها دور أساسي، ولا يلاحق فيها المرتكبون صغاراً وكباراً إذا كانوا مدعومين. وللبنانيين في وجود نحو 400 شركة سياحة وسفر غير شرعية يستغل معظمها اللبنانيون وربما غيرهم، ويتركونهم للبهدلة في سياحاتهم التي كانوا يأملون أن يرتاحوا خلالها من متاعب بلادهم، مثال على الغياب المذكور.

إذ لا يكفي أن يتنصّل المسؤولون من المسؤولية بالاعتراف بوجود 400 شركة غير شرعية، بل يجب أو بالأحرى كان يجب أن يقفلوها ويعاقبوا أصحابها من زمان وليس أن يغضوا النظر عنهم لأنهم مدعومون. وهذا ثابت بدليل تعامل شركات طيران تعيّن الدولة مسؤوليها الكبار مع المكاتب السياحية غير الشرعية وعدم مطالبتها الدولة باقفالها، رغم عدم تقاضيها بدلات تذاكر السفر التي تحجزها علماً أن قيمتها تجاوزت مع مكتب واحد نحو مليوني دولار. وهو ثابت أيضاً “بعجز” القضاء عن تطبيق القانون في حقها وعن إلزامها بدفع حقوق الناس. وللعجز أسباب كثيرة منها غياب الدولة.




ما هي أهمية السوق الموازية التي تشرف عليها مكاتب الصيرفة وشركاتها؟ بعض الرسميين والقريبين منهم يحاولون تخفيف أهمية هذه السوق، وتالياً أهمية دورها في ارتفاع مطرد لسعر الدولار بالنسبة الى الليرة، بالقول أن المبالغ المتداولة فيها لا تزيد عن حوالى أربعة ملايين دولار ونصف مليار. وهذا الرقم غير صحيح في رأي عاملين في القطاع المصرفي وخبراء في الاقتصاد والمال والأعمال.

فالرقم الصحيح يراوح بين مليارين ونصف وثلاثة مليارات دولار أميركي. وهو ما كان ليبلغ هذا الحجم الكبير لو كان اللبنانيون العاديون هم من يلجأون الى “الصرّافين” لتأمين حاجاتهم القليلة نسبياً وغير اليومية. بل بلغه لأن هناك ثلاث أقنية عريضة جداً تغذي الأموال الآتية بواسطتها السوق الموازية. القناة الأولى هي التهريب الى لبنان المشرّعة الأبواب له جرّاء الحماية السياسية الرسمية وغير الرسمية والحزبية وغيرها من داخل لبنان وخارجه. والحدود اللبنانية – السورية هي بابه الأساسي باعتبار أن الباب الإسرائيلي مقفل للأسباب المعروفة. ولا يعني ذلك أن بضائع إسرائيل لا تدخل لبنان بشهادات منشأ من دول صديقة له. وتعترف دولة لبنان الغائبة وسياسيوها بوجود 124 معبراً غير شرعي مع سوريا، علماً أن التهريب من المعابر الشرعية ليس بالصعوبة التي يتصوّرها كثيرون. فضلاً عن أن التهريب يتم أيضاً من معابر شرعية في الداخل اللبناني، وعن أن التهرب من دفع رسوم الجمرك أو تقليصها يساهم في تغذية السوق الموازية. والقناة الثانية هي الأموال التي تدفعها المنظمات والجمعيات الدولية التي تقدم مساعدات مالية للنازحين السوريين وغيرهم من اللاجئين والمعوزين. أما القناة الثالثة فتمر عبرها أموال الجهات التي ليست داخلة في النظام المالي الرسمي للبنان والمصارف تلافياً لعقوبات عليها وملاحقات لها لأسباب متنوّعة، منها السياسة والإرهاب بكل هوياته على تناقضها. وتمر عبرها أيضاً أموال تبييض الأموال أو غسلها التي تقوم بها، الى الجهات المذكورة، مافيات وعصابات دولية وإقليمية منظمة.

وفي هذا المجال قد يضع كثيرون “الحق” على مصرف لبنان لأسباب عدة، منها أنه لا يتدخل كما في السابق لمنع تجاوز السوق الموازية حدودها. وذلك غير صحيح مبدئياً. فما معه من العملات الصعبة والدولار في مقدمها يحتاج إليه لاستحقاقات أكثر أهمية ولا يستطيع أن يفرّط به. ويعني ذلك أن هذه السوق مرشحة لأن “تقوى”، ويا للأسف، ولا سيما في ظل تمسك دولة لبنان و”حكّامها” الكثيرون بسياسة الـDenial أي الانكار أنها في مشكلة خطيرة، وباتهام أي كان بالتهويل والتضليل. والمطبّلون لهؤلاء وعددهم لا بأس به يعتبرون أنهم انتصروا بإقناع “ستاندرد أند بورز” بعدم زيادة سلبية تصنيفها للبنان وهو سلبي أساساً، علماً أن مضمون التقرير يجب أن يشعر لبنان “شعوباً” ودولة بالعار. وعلماً أيضاً أن تصنيفي “موديز” و”فيتش” اللذين صارا ccc يفقدان الإقناع المذكور أي أهمية.