//Put this in the section //Vbout Automation

«حرب استنزاف» يشنها الأسد وحلفاؤه على إدلب.. مئات الآلاف فرّوا منها

تدكُّ طائرات نظام بشار الأسد وحليفته روسيا، منذ ثلاثة أشهر، المناطقَ التي تسيطر عليها المعارضةُ في شمال غربي سوريا، مستهدفةً المنشآت الطبية والمدارس والأسواق، في تصعيد يعكس -وفق محللين- إصرارَ النظام على استعادة السيطرة على هذه المنطقة، التي تشكل آخر معقل لمعارضيها.

ويصف معارضون هذا التصعيد بـ «الإبادة»، بينما ندَّدت المفوضية العليا لحقوق الإنسان، الجمعة، بـ «اللامبالاة الدولية»، مع استمرار القصف الذي أجبر أكثر من 400 ألف شخص على الفرار إلى مناطق أكثر أماناً.




وتتعرض محافظة إدلب ومحيطُها لقصفٍ من قِبَل النظام وروسيا، منذ نهاية أبريل/نيسان 2019، وفقاً لما ذكرته وكالة الأناضول، ويستمرُّ القصف على الرغم من أن المنطقة مشمولة باتفاق روسي تركي، منذ سبتمبر/أيلول 2018، نصَّ على إقامة منطقة منزوعة السلاح، ونجح في إرساء الهدوء لنحو خمسة أشهر، إلا أنَّ تنفيذه لم يُستكمَل، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء الفرنسية.

استهداف مباشر للمدنيين

وقال الباحث في مركز عمران للدراسات، ومقره إسطنبول، نوار أوليفر، في تصريح للوكالة، إن «الاستنزاف الحاصل مخيف، عبر الاستهداف المباشر للمدنيين والأسواق والمنشآت الصحية والبنى التحتية».

ويهدف ذلك بالدرجة الأولى وفق أوليفر إلى «الضغط على الفصائل وحاضنتها الشعبية، بعدما باتت المنطقة تضمُّ كلَّ السوريين المعارضين وعائلات مقاتلي الفصائل». وبالتالي فإنَّ «أي ضغط على الحاضنة سينعكس على الفصائل».

ومن شأن التصعيد الجوّي، وفق أوليفر، أن «يخدم أي عمل برّي في المستقبل»، ذلك أنَّ الاتفاق الروسي التركي «أدَّى إلى تأجيل أو وقف الهجوم البري للنظام بشكل مؤقت» على المنطقة.

وتؤوي إدلب، مع أجزاء من محافظات مجاورة نحو ثلاثة ملايين نسمة، نصفهم نازحون من مناطق أخرى، وبينهم عشرات آلاف المقاتلين والمدنيين الذين رفضوا البقاء في مناطقهم وإبرام اتفاقات تسوية مع نظام الأسد.

ومنذ نهاية أبريل/نيسان، أحصت الأمم المتحدة 39 هجوماً ضد منشآت صحية وطواقم طبية، وتضرَّرت 50 مدرسة على الأقل جراء القصف.

وقالت مفوضة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ميشيل باشليه، في بيان يوم الجمعة الفائت، إنَّ «ضربات جوية نفَّذتها الحكومة السورية وحلفاؤها على مدارس ومستشفيات وأسواق ومخابز، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 103 مدنيين في الأيام العشرة الماضية، بينهم 26 طفلاً»، بحسب ما ذكرته وكالة رويترز.

وأشارت باشليه إلى أن «هذه الممتلكات مدنية، ويبدو من المستبعد جداً أن تكون قد ضُربت عَرَضاً؛ نظراً إلى النمط المستمر لمثل هذه الهجمات». وذكَّرت بأنَّ «الهجمات المتعمَّدة ضد المدنيين هي جريمة حرب».

«حرب استنزاف»

وتركّز الطائرات التابعة لنظام الأسد والأخرى الروسية قصفَها تحديداً على ريف إدلب الجنوبي، وريف حماة الشمالي المجاور، حيث تدور معارك ضارية بين قوات النظام والفصائل، تسبَّبت بمقتل مئات المقاتلين من الجانبين.

ويوضِّح أوليفر أنَّ روسيا «تقدِّم النظامَ على أنَّه استعاد شرعيته. ويصوِّر الطرفان إدلب بوصفها آخر المعارك، وآخر البؤر التي تمنع النظام من السيطرة على جيوب الإرهابيين».

وتسيطر قوات النظام حالياً على أكثر من 60% من مساحة البلاد. وتعد إدلب ومناطق سيطرة القوات الكردية في شمال شرقي سوريا أبرزَ المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، وبدأ الأخير محادثات مع الأكراد لم تُفضِ إلى نتيجة بعد.

من جانبه، قال الباحثُ المتخصص في الشأن السوري، سامويل راماني، إنَّ روسيا «تضغط اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبشكل متسق، من أجل إعادة دمج سوريا بالكامل تحت حكم الأسد».

ورغم ضراوة القتال في ريف حماة الشمالي، الذي يعدُّ البوابة الجنوبية لمحافظة إدلب، فإن قوات النظام لم تحقق أيَّ تقدم استراتيجي نحو عمق إدلب.

ومع استمرار المعارك والغارات، باتت مدنٌ وقرى كثيرة في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي المجاور خاليةً من سكانها.

ويردُّ محللون هذا الفشل إلى الدعم العسكري الذي تقدِّمه تركيا للفصائل في شمال غربي سوريا، حيث تنشر العديدُ من قواتها على نقاط مراقبة، بموجب الاتفاق مع روسيا.

وتريد روسيا من تركيا أن «تكفَّ عن تقديم المساعدة العسكرية للفصائل»، باعتبار أنها «تعيق تقدم الأسد»، وفق راماني، الذي تحدث للوكالة الفرنسية، كما تخشى أن يساعدها هذا الدعم على «تحدي سلطة الأسد» بشكل أكبر، إذا ما بقي عالقاً في إدلب.

وتبقى استعادة نظام الأسد السيطرة على إدلب عمليةً ليست بالسهلة، ويرى راماني أن «السيطرة على إدلب ستكون حربَ استنزاف بطيئة للأسد».

«نفوذ تركي أكبر»

وتخشى تركيا أن يؤدي أي هجوم فعلي لقوات النظام على إدلب إلى نزوح المزيد من السوريين باتجاه أراضيها، بعدما تكدَّست آلاف العائلات في مخيمات وحقول قرب حدودها، إثر التصعيد الأخير.

ومن المرجَّح أن يطغى التصعيد في إدلب على جدول جولة جديدة من محادثات أستانا، تعقد الأسبوع المقبل في كازاخستان، بحضور ممثلين عن طرفي النزاع، إلى جانب تركيا وروسيا وإيران.

ويقول الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، نيكولاس هيراس، إن «تدمير البنية التحتية المدنية في إدلب يجعل السكان أكثر اعتماداً على الدعم التركي».

وتطمح أنقرة بدورها إلى «تحقيق الاستقرار في إدلب، حتى يتمكَّن اللاجئون من بدءِ العودة إليها، وهو ما يعني سيطرةً ونفوذاً تركيّاً أكبر».

وتستضيف تركيا، التي تُجري حالياً محادثات مع الأمريكيين لإنشاء منطقة عازلة بين حدودها ومناطق سيطرة القوات الكردية في شمالي سوريا، نحو 3,5 مليون سوري.

وفي حين لا يبدو واضحاً ما إذا كانت تركيا، الحليفة الأخيرة عملياً للمعارضة، مستعدةً للمساومة على المدى القريب في سوريا، يرى هيراس أنه «يمكن لموسكو التعايش مع النفوذ التركي المتصاعد في إدلب، على المدى القصير، لكن دمشق تريد تركيا خارج سوريا الآن».