//Put this in the section //Vbout Automation
راجح الخوري

في حضرة المزبلة! – راجح الخوري – النهار

يوم الأحد في ٢٣ آب من عام ٢٠١٥، قال الرئيس تمام سلام، كلاماً سيبقى دائماً أفضل ما قيل عن مأساة لبنان، الذي بات من الدول الفاشلة وحتى المهترئة، قال : “ان مشكلة لبنان هي النفايات السياسية”. طبعاً النفايات السياسية موجودة وقوية ونافذة منذ زمن بعيد، لكنها لم تتمكن وبالأحرى يبدو أنها لا تريد ان تحلّ مشكلة الزبالة المتفاقمة، والتي يقال إنها تدرّ مالاً وأرباحاً على ذوي الشأن والقرار.

ولهذا لم يتحرك أحد مثلاً في تشرين الأول من عام ٢٠١١ ، عندما بثت القناة الفرنسية التلفزيونية الثانية france 2 تحقيقاً كان عنوانه حرفياً Le Liban : poubelle de la méditerranée أي لبنان مزبلة المتوسط، ربما لأن هذه المزبلة تحوّلت مصدراً لأرباح، كان السياسيون يتقاسمونها ضيزه كما يقال، ولهذا لم يكن هدفهم يوماً إيجاد حلٍ لهذه المشكلة المعيبة.




الآن نحن من جديد أمام مشكلة غرق البلاد في النفايات التي اوصلناها يوماً الى شواطئ قبرص وتركيا، لأننا شعب من الزبّالين ينتج الزبالة ويكبّها في البحر، وهذا عمل “مليح” للسياسيين، الذين لم يقصّر تمام سلام يوم قال إنهم نفايات سياسية. ولكن ما النفع؟

نفايات سياسية تجمع الثروات وتترك الناس ينامون في المزابل ويتسممون في المزابل ويختنقون في المزابل ويموتون في المزابل ويدفنون في المزابل، ذلك ان كلام الرئيس سلام يومها، جاء على خلفية التظاهرات الشعبية العارمة أمام السرايا التي تكررت مراراً ولكن من دون جدوى، لا بل ان الذين تظاهروا تعرضوا للإعتداء ووعد سلام يومها بالمحاسبة ولكننا في دولة لا تعرف الحساب ولا المحاسبة، ولهذا رأى محقاً ان الصرخة الشعبية وإلّا لم ليسا ابني ساعتهما بل أنهما نتيجة التراكم في التقصير والغياب السياسي المتمادي! ها نحن من جديد في حضرة المزبلة، تعود لتصل الى الشرفات على ما يبدو تشجيعاً لموسم الإصطياف، الذي يقرعون طبوله ويبثون أوهامه، ولكن من الذي يختار ان يمضي عطلته في مزبلة لست أدري!

يوم الجمعة في ٢٠ تموز بثت قناة CNN تقريراً عن تلوث الشاطئ اللبناني، صوّر النفايات تحت الماء وعلى سطحها، وشبّه الرائحة المنبعثة بأنها مثل رائحة الحمامات العمومية، مشيراً الى ان هذا يشكل جريمة تلوث المتوسط كله، لكن المسؤولين في البلاد “لم سمعنا لم قشعنا … فقط أين حصتنا من الدولارات “!

بداية شهر آب أبدت ١٢ شركة سويدية وفرنسية وألمانية وأوروبية موافقتها على إستيراد النفايات من لبنان ومعالجتها، وقد أعطت المفوضية الأوروبية الإذن لهذه الشركات بأخذ هذا النفايات من لبنان، لكن الدولة اللبنانية الناصعة، لم تتفضل وتضع مناقصة دولية تساعدها على تقديم عروضها ولم تحرك الدولة ساكنا! ورغم ان السفارة الألمانية في بيروت أصدرت يومها، بياناً في أول آب من عام ٢٠١٥ أعربت فيه عن إستعدادها لطرح هذا الموضوع والمساهمة في إيجاد الحل المناسب لهذه المشكلة، ولعب دور الوسيط بين الشركات الأوروبية والجانب اللبناني، وأجرت إتصالات رسمية مع وزراء مسؤولين يومها، إلا ان الكلمة كانت طبعاً للزبالة السياسية، فإستمرت المشكلة، وستستمر بعد كل ما قيل وسيقال عن “الكوستا برافا”، ورغم الحديث المضحك المبكي عن “التفكك الحراري” في بلد يستحق ان يُحرق حرارياً بعدما تفكك من زمان، لأن لا شعب في لبنان، بل شعوب غارقة في الطائفية والمذهبية، ولهذا صحتين ايها الشعب الغشيم.