//Put this in the section //Vbout Automation
غسان الحجار - النهار

الحالة الباسيليّة – غسان حجار – النهار

على رغم فداحة ما يرتكبه أحياناً رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، من إثارة فتن وتحريك غرائز وإعادة نبش الماضي الأليم، وما تخلق له هذه الأمور من عداوات وخصومات، إلّا أن الحقيقة أن باسيل لم يخرج قط من نهج عمّه الرئيس ميشال عون. فقد كان الأخير مُستفزّاً في السياسة، ومقتحماً الساحات الجدليّة، وغير آبه بمن حوله من الأقربين والأبعدين، واضعاً نصب عينيه قصر بعبدا. والواقع أن باسيل، وإن نفى سعيه الرئاسي حالياً، فإنّه يسلك الطريق ذاتها، والتي قد توصله أو لا توصله إلى مكان.

وما بين استفزازاته وحركته الرئاسيّة، يبقى باسيل لولباً في العمليّة السياسيّة اللبنانيّة التي خرجت عن كل مدارسها وقواعدها المعهودة، فولَّدت مزيداً من الخلافات والتباعدات، إذ لم تعد اللعبة السياسيّة محكومة بمعادلات الأمس البعيد أو القريب، وتبدّل اللاعبون، أو لنقل زاد عددهم بما جعل الساحة تضيق بهم، ولم تعد المصالح تكفي عديدهم، وتُلبّي طموحاتهم في زمن الإفلاس والضيق. وتحتاج حركة باسيل إلى قراءة أعمق من ردود الفعل عليه، لأنّه وإن “عربش” على الحالة العونيّة، فقد بدأ يؤسّس حالة خاصة به ربّما تصحّ فيها تسمية “الباسيليّة”. فالعماد عون تمسّك بباسيل وبحصّة التيار في الحكومة، لكن باسيل تمسّك بكل المواقع والوظائف، بل يحاول الإمساك بها. وهو بدأ يجمع من حوله مؤيّدين كثر. بعضهم ينطلق من قاعدة المنفعة، ويتقرّب من أزلام كل العهود، مدنيّين وعسكريّين. وبعضهم الآخر يقبل به كوريث “شرعي” للعماد ميشال عون، ومستعدّ للقبول به على علّاته. أمّا الفئة الثالثة، وهي الأهم، فترى إلى جبران باسيل بطلاً وبالمعنى العامّي “رجّال”. وهؤلاء معظمهم من أبناء المناطق والقرى والأرياف، في الشمال والبقاع والجنوب، وأيضاً في الشوف وعاليه، إذ شعر هؤلاء لزمن بعيد أنّهم فقدوا هويّتهم. فنوّابهم يركبون قطار الرئيس نبيه برّي او الرئيس سعد الحريري أو الوزير السابق وليد جنبلاط، ليبلغوا ساحة النجمة. وهم يقدّمون فروض الطاعة إلى أولياء نعمتهم، وبالتالي فإنّهم يفقدون التمثيل المسيحي الصحيح، إذ ان رؤساء اللوائح غالباً ما يختارونهم من دون مشورة أحد من المسيحيّين. وقد شعر أبناء المناطق تلك بغربة عن الدولة وفي المؤسّسات. وأعاد إليهم باسيل “نعمة” الاختيار وانتزع الصلاحية (ولو شكليّاً) من الشخصيّات والأحزاب التي أعدمت التمثيل المسيحي وفق ما يرون. وفي الوظائف أيضاً، اذ توزّعت حصص المسيحيّين ما بين أرباب الطوائف الأخرى، ويعمل باسيل، ومعه “القوّات اللبنانية”، على استردادها.




هذا الواقع الجديد، والذي يحظى بقبول متزايد، شعبياً وليس نخبويّاً، يفرض تموضعاً جديداً للقوى الأخرى تجاه المسيحيّين. ولا يمكن الركون إلى محاولات جديدة لقانون انتخاب يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فالعودة باتت مستحيلة. وبدل التلهّي بها، يُفترض الاتفاق على قواعد جديدة للعبة، تسجّل لباسيل دخوله الحلبة، وتعترف مجدّداً بدور فاعل للمسيحيّين، في مقابل عدم “تكبير” باسيل وغيره الحالة الجديدة لأن محاصرتها سهلة جدّاً، وخنقها ممكن إذا ما تبدّلت المصالح الكبرى التي تحكم اللعبة.