//Put this in the section

موازنة 2018 بعد إقرارها هل تُقنع وتُرضي المانحين؟

سابين عويس – النهار

… وبعد ثلاثة اشهر من الجلسات الحكومية والنيابية، تمخضت نقاشات مجلس الوزراء بداية، ثم لجنة المال والموازنة ثانيا، فالهيئة العامة ثالثا، قانونا للموازنة العامة لما تبقى من السنة الجارية، وتحديدا خمسة اشهر، بعدما انقضى من السنة سبعة اشهر، انفقت خلالها الدولة بموجب قانون الانفاق على القاعدة الاثني عشرية.




في حين كانت الظروف المالية والاقتصادية في البلاد – ولا تزال- تتطلب سرعة قياسية في العمل على ارساء رزمة الاصلاحات المطلوبة تنفيذا لمقررات مؤتمر “سيدر” الدولي، طمعا باستقطاب القروض الميسرة الموعودة لتنفيذ البرنامج الاستثماري للحكومة، وتلافيا لانهيار وشيك تقدم عليه البلاد بخطى ثابتة، استغرق إقرار موازنة 2019 نحو أربعة أشهر بدأت منذ 19 نيسان الماضي، لتنتهي، للمفارقة في 19 تموز الجاري. وللمفارقة ايضا، لم تسهم نقاشات الاشهر الثلاثة في إرساء أي خطوة إصلاحية جديرة بكل الوقت المنقضي هدرا، فيما عدّاد الإنفاق وخدمة الدين يسير بسرعة متنامية، مفاقما خطر الازمة المالية في ظل الارتفاع المتمادي في بنية الفوائد.

ومع إقرار الموازنة، تطل البلاد على مشهد جديد مثقل بالتحديات السياسية والاقتصادية والمالية، في ظل استمرار تعثر انعقاد مجلس الوزراء نتيجة عدم احتواء تداعيات حادثة قبرشمون، فيما بدأ السؤال الملح الذي يطرح بقوة في وسط الاسرة المانحة يطل برأسه: هل يرضي القانون الصادر المانحين؟ وهل يلاقي توقعاتهم في شأن موازنة تقشفية تلتزم مستويات عجز منخفضة؟ ومرد السؤال الى أنه انقضى على السنة 7 أشهر، ما يعني انه بقي امام الموازنة الجديدة خمسة اشهر لتحقيق ما يفترض تحقيقه بـ12 شهرا. فهل يطابق حساب الحقل حساب البيدر؟ وبمعنى آخر، هل تطابق الارقام المحققة في الاشهر السبعة الاولى من السنة ما هو مرتقب في موازنة 2019، على صعيد الانفاق، كما الايرادات وتاليا العجز؟

تكشف مصادر ديبلوماسية لـ”النهار” ان الدول والمؤسسات المانحة تدرك حقيقة الواقع اللبناني وتناقضاته واختلافاته التي أدت الى تأخر إقرار المشروع، وقد أصابها الامر بشيء من الخيبة، لأن لبنان لا يملك ترف إهدار الوقت على الخلافات، كما ان المانحين لا يملكون ترف الانتظار حتى يتفق اللبنانيون على المقاربة الاقتصادية والمالية التي ستخرج البلاد من أزمتها. ولكن رغم ذلك تدرك الاسرة الدولية الملتزمة استقرار لبنان صعوبة الخيارات الاخرى مقابل التخلي عن لبنان. وهذا ما يدفعها الى التريث والترقب، من دون ان يعني ذلك ان لبنان سيحظى بـ”شيكات على بياض”. فإنفاق الأموال المعقودة لمشاريع “سيدر” سيبقى مشروطا برزمة الاصلاحات المطلوبة. واذا لم تنجح الحكومة والمجلس النيابي في اقرارها في موازنة 2019، فهي ستكون ملزمة بها في مشروع 2020 الذي يفترض ان يعطي اشارات واضحة وجدية أقوى من الاشارات التي أرسلتها موازنة 2019، والتي يتعامل معها المانحون على انها خطوة اولى على طريق الالف ميل. وفي هذا السياق، تختصر المصادر عينها تقويمها لموازنة 2019 بثلاث ملاحظات: افتقارها الى الاصلاحات الهيكلية، والى قوة الاقناع في شأن التزام المشروع الاصلاحي، وافتقادها الرؤية على المديين المتوسط والطويل.

وعليه، فإن خريطة الطريق التي ترتسم امام الحكومة اعتبارا من الغد تتمثل في البدء فورا بوضع أسس مشروع موازنة 2020، مع الافراج عن ارقام 2019 المحققة من أجل “استلحاق ما يمكن استلحاقه” على صعيد الانفاق والايرادات، لالتزام ما يمكن من خفض في نسبة العجز، على ما تقول مصادر نيابية، لأن الاكيد ان الارقام المحققة حتى الآن ليست مشجعة ولا تشي بإمكان التزام نسبة العجز المقدرة في الموازنة، وإن كان هناك محاولة لخفض الانفاق كما تبينه النتائج المالية حتى نيسان 2019 التي أفرجت عنها وزارة المال أمس. ولكن المهم أن تأتي النسبة المحققة بنهاية السنة أقل مما كانت في 2018، وقد بلغت في حينها 11,5 في المئة.

وتعول المصادر النيابية على ان تعي الحكومة حجم المخاطر المالية الداهمة، خصوصا أن لبنان مقبل على تصنيف جديد في آب المقبل، ومن الملح ان يكون مقبولا لما يرتبه اي خفض جديد للتصنيف على لبنان وسنداته وقطاعه المصرفي.

وترى في هذا السياق ان الخطوات الاصلاحية على ضعفها وضآلتها، والتي اقرت في موازنة 2019، يجب ان تستمر وتكسر المحظورات القائمة حيال المكتسبات في القطاع العام، بحيث يمكن ارساء عمل اصلاحي يسهم في تقليص حجم الدولة ومؤسساتها وقطاعها العام. وفي رأيها انها الفرصة الاخيرة فعلا لا قولا امام لبنان للخروج من مأزقه والا، فان البلاد ستتعرض لازمة كبيرة بحلول نهاية السنة اذا لم يتم تدارك خطورة الاوضاع بسرعة ووعي ومسؤولية.