//Put this in the section

الميزانية الجديدة ترفع من سخونة صيف لبنان

على مدى أيام، ظل اللبنانيون يتابعون النقاشات التلفزيونية الحادة بين المشرعين الباحثين عن حلول للأزمة الاقتصادية وتبريرات للخطة التي تقدمت بها الحكومة لإنقاذ الاقتصاد الوطني عبر التقشف، والتي رفعت من حرارة الأجواء في البلاد.

لم يستوعب اللبنانيون الكثير من هذه الأحاديث التي بدا واضحا أنها لن تقودهم في النهاية إلى حلّ جذري يعالج سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد اللذين أديا إلى تراكم واحد من أكبر أعباء الدين العام في العالم، يعادل حوالي 150 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.




ويعبّر عن موقف الكثيرين، الشاب محمد بدران، وهو جالس في محل حلاقته الخالي من الزبائن، بقوله بلهجة ساخرة، “لا يعرف هؤلاء المسؤولون حتى ثمن الخبز، إنهم لا يعرفون شيئا عنا”. وأكّد مصفف الشعر، البالغ من العمر 33 عاما، أن الأوضاع تدهورت أكثر خلال السنوات القليلة الماضية، حيث ارتفعت الضرائب والفواتير والأسعار بينما لم يزد الدخل الذي يجنيه من محله.

بعد دفع ضرائبه وفواتيره، كان الحلاق يوفر حوالي ثلاثة أرباع أرباحه. وانخفضت هذه النسبة إلى حدود الربع خلال الأزمة الأخيرة. ويعاني اقتصاد لبنان منذ نحو 8 سنوات، من أزمات سياسية متكررة، إضافة إلى النزاع في سوريا، الذي أسفر عن تدفق حوالي مليون لاجئ سوري إلى لبنان.

ومع تعمق الأزمة الاقتصادية في لبنان، تتضاءل ثقة الجمهور في قدرة السياسيين الذين ينظر إليهم كفئة “فاسدة” تخدم مصالحها الشخصية وغير قادرة على فرض إصلاحات حقيقية في هذا البلد الذي يواجه أزمات سياسية متشابكة.

ومع إقرار مجلس النواب لميزانية الدولة للعام 2019، يخشى الكثيرون تكرّر السيناريو اليوناني، مشيرين إلى أنه لن يكون هناك اتحاد أوروبي يقف سندا ويمكن الاتكاء عليه.

جذور الأزمة

بعد أسابيع من التأخير بسبب المساومات بين الحكومة والمشرعين، صدر مشروع قانون الميزانية الذي سيؤثر في الغالب على جيوب اللبنانيين العاديين. ويقول النقاد إنه لن يعالج القضايا الهيكلية والفساد الراسخ في جذور الأزمة.

وخلال ثلاثة أيام من النقاش، عارضت مجموعة من المشرعين القانون، وشملت بعضا من أعضاء الحكومة التي اقترحته. وفي خطابه الذي ألقاه الخميس، قال وزير المالية اللبناني علي حسن خليل إن المسؤولين يتعاملون مع الميزانية مثل “طفل متروك” لا يريد أحد أن يعترف بأبوته له. وشدد على حاجة البلاد إلى خطة لإدارة دينها العام “لتحرير الموازنة العامة من عبء تراكمه”.

وقال النقاد إن المسرحية كانت مصممة لاستيعاب الغضب الشعبي من الركود الاقتصادي الذي ضرب المواطنين. وبلغ النمو أدنى مستوى له على الإطلاق عند 0.2 بالمئة العام الماضي. وتباطأ أكثر بعد أن أوقف البنك المركزي قروض الإسكان، وقلّص سوق العقارات الذي مثّل محرك النمو الرئيسي منذ سنة 2012.

ووصل العجز إلى 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مرتفعا من الـ8.6 بالمئة المسجلة سنة 2017، وتفاقم الدين العام وأصبح يتخطى 150 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وهو واحد من أعلى المعدلات في العالم. كما ازداد عمق العجز التجاري اللبناني.

وتأثّر القطاع المصرفي في البلاد، حيث تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي بنحو 6 مليارات دولار منذ أوائل سنة 2018. وكان نمو الودائع المسجل الأدنى منذ سنة 2005 حيث خيّر البعض تحويل مدخراتهم إلى الخارج.

وفي الوقت نفسه، تمّت تصفية بعض الشركات وأغلقت العديد من المتاجر، وعرضت المزيد من الشقق للبيع. وتهدف الميزانية الجديدة إلى خفض العجز إلى 7.6 بالمئة. وخلال السنة الماضية، رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة لتمويل زيادة الرواتب التي وعدت بها لعمال القطاع العام. وقال مسؤول إن الحكومة خلصت إلى أنه السبيل الوحيد الذي سيمكن الدولة المثقلة بالديون من دفع هذه الزيادة.

وأكبر نفقات الحكومة هي خدمة الدين ورواتب القطاع العام والدعم المقدم لشركة كهرباء لبنان. وأقرت الحكومة خطة هذا العام لحل أزمة الكهرباء المكلفة. وخفضت الميزانية الجديدة أجور العاملين في الحكومة والمزايا التي يتمتعون بها وجمدت توظيف القطاع العام لمدة ثلاث سنوات. ويبقى قرار رفع ضريبة القيمة المضافة ساريا كما ترتفع قيمة الضرائب الأخرى.

وقال جاد شعبان، الخبير الاقتصادي والأستاذ المشارك في الاقتصاد في الجامعة الأميركية في بيروت، إن القلق من تكرر السيناريو اليوناني هو الذي دفع المسؤولين الحكوميين إلى البحث عن سبل إصلاحات طارئة بدلا من سن تغييرات أكبر مثل الضرائب التصاعدية أو إعادة جدولة الديون.

كما كتب مؤخرا أن المشكلة الحقيقية تكمن في النخبة السياسية التي تتعامل مع القطاع العام كمكان لتوظيف أنصارها، والتي تتستر على الفساد الذي يثريها ويزيد الديون. وأكد وجوب زيادة الإنفاق العام الفعال للخروج من هذه الأزمة.

ارتفاع الأسعار

بالنسبة لمحمد بدران، كبحت الصعوبات الاقتصادية أبسط أحلامه، فقد تخلى عن خطط بناء صالون شمسي في متجره. وبعد 14 عاما من العمل لحسابه الخاص، ما زال الحلاق يعيش مع والديه، وغير قادر على تحمل أعباء الزواج.

في العام المنقضي، بلغت أرباحه 500 دولار شهريا بينما تواصلت الزيادات في الفواتير والإيجار. مثل كل اللبنانيين، يدفع فاتورة كهرباء للحكومة وأخرى منفصلة لمزوّد خاص يعوض الكهرباء خلال انقطاع التيار اليومي بسبب البنية التحتية المتداعية.

وقال بدران، الذي ولد في أوج الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاما، “أنا الآن في الثالثة والثلاثين من العمر، وما زلنا نشكو من نقص في المياه والكهرباء. انظروا إلى جارتنا سوريا التي تتمتع بالإنارة والماء رغم الحرب”.

ومع ارتفاع التكاليف، ارتفعت الأسعار مثل كلفة جل الشعر التي زادت بنسبة 30 بالمئة. وقلص هذا من إمدادات الصالون بالإضافة إلى إنفاق بدران الشخصي. كما تراجع عدد زبائنه الشباب وأصبحوا يزورون متجره مرة كل شهر بدلا من ثلاث مرات.

وبمجرد تمرير الميزانية الجديدة، قال بدران إنه سيتعين عليه رفع أسعاره لأول مرة منذ سنوات، مما يزيد من العبء على حرفائه الذين يشغل الكثير منهم وظيفتين.

وعلى امتداد شارع مار إلياس التجاري المزدحم والمعروف بمتاجر المجوهرات، وضعت أربعة متاجر على الأقل لافتة “للبيع”. وكان من بينها متجر للذهب. تعمل مها البالغة من العمر 34 عاما في المحل مع عمها. وقالا إن العائلة تمتلك متجرا لتجارة الذهب بالجملة، لكنهما لا يستطيعان الاستمرار في إدارة المحل الذي عرضاه للبيع.

وقالت مها إن الطبقة الوسطى هي الوحيدة التي تشعر بالألم الاقتصادي لأن الأثرياء والمسؤولين الحكوميين يخبئون أموالهم في الخارج. وتابعت “يسأل الناس عن السبب الذي يمنعنا من الاحتجاج. انظروا إلى ما حدث عندما احتجت الشعوب الأخرى من حولنا. انظروا إلى مصر، أو حتى إلى سوريا. ستكون نهايتنا أسوأ منها بالتأكيد”.

وفي ظل هذه الأجواء، توقعت مجلة ذو نيويوركر أن يكون صيف لبنان هذه السنة أكثر سخونة، وأن تثير هذه الميزانية المزيد من الاحتجاجات العامة، مشيرة إلى أن الفشل الاقتصادي العميق في لبنان سيبلغ ذروته هذا الصيف، بسبب إخفاق الحكومة والسياسيين في وضع تدابير عملية لتدارك الوضع المنهار، وهو الأمر الذي يزيد الضغط على الشعب.