//Put this in the section

مسلسل الموازنة يكشف عمق الأزمة

علي حمادة – النهار

إقرار موازنة العام 2019 نهاية الشهر السابع من السنة، حدث ينبغي التوقف عنده، ولا سيما ان “التسوية الرئاسية” التي قيل انها سوف تعيد انتظام المؤسسات ما تجلت على النحو الذي وعد به اللبنانيون. فبعد أزمة تشكيل الحكومة الحالية التي دامت أشهرا طويلة، ظهرت الحكومة الحالية المنخورة بالخلافات، والتضامن الهشّ، كأنها ما كانت قادرة على اقرار موازنة لم ينتظرها اللبنانيون فحسب، وانما المجتمع المالي الدولي الذي علق اطلاق مسار مؤتمر “سيدر” على قدرة الحكومة في اقرار موازنة تقشف نسبي، تشكل بداية وإن خجولة لاطلاق عملية اصلاحية يحتاج اليها لبنان أكثر من اي وقت مضى. وعلى الرغم من اقرار الموازنة اخيرا، فإن المجتمع الدولي إياه لا يسعه إلا ان يلاحظ ان لبنان هو بلد الولادات “القيصرية” بامتياز، ومسار الموازنة مع ما يرافقها من تخبط ليس في الشارع فحسب، وانما داخل الحكومة نفسها، ومعها مجلس النواب كما بدا البارحة، يدلّ على أن لبنان ما خرج بعد من الازمة الكبرى التي تعصف به على اكثر من صعيد. ففيما ينتظر لبنان ان ينطلق مسار “سيدر”، تعكس مؤسساته صورة لا تطمئن كثيرا الجهات المقرضة، ولا الشركات العالمية التي تعتبر ان المناخ الاستثماري في أي بلد ينبغي أن يستند الى عاملين: قرار سياسي تترجمه حكومة متضامنة، واستقرار في الادارات العامة، فضلا عن قدرة الدولة على فرض احترام القانون الذي يبقى أساس الثقة الاستثمارية. في حالة لبنان لا تبدو تلك العوامل متوافرة حتى الآن. وهذه نقطة سلبية يمكن ان تنعكس سلبا على مسار “سيدر”، مما يزيد الشكوك في ان يتمكن لبنان من حصد كامل المبالغ التي وعد بها خلال المؤتمر المشار اليه.




من تابع بالامس وقبله تحرك العسكريين المتقاعدين، والكلام “الكبير” الذي خرج من أفواههم على مختلف المستويات، عليه ان يتوقع ان كلاما كهذا يصل الى مسامع المجتمع الدولي الذي يتعامل مع قيمين على الدولة يرشقهم الشارع اللبناني بأطيافه كافة، بأقذع التهم والاوصاف في ما يتعلق بأدائهم، واخلاقهم كمسؤولين عن المال العام. وكثيرا ما كنا نسمع في عواصم العالم المعنية بمساعدة لبنان مواقف يدلي بها مسؤولون دوليون كبار في الغرف المغلقة، تتبرم من الحالة السياسية اللبنانية التي ينخرها الفساد بشكل كامل، لا يجوز ان تلجأ الى المكلفين في الدول المناحة لاخذ اموالهم لانقاذ لبنان من ازمة اقتصادية – مالية خانقة، تسببت بها بنسبة كبيرة، ان من خلال سوء الادارة او من خلال الفساد والسرقة الواسعي النطاق. وهنا أيضا المفارقة: كيف لحالة فاسدة بامتياز أن يأتي الاصلاح عن طريقها؟ من يصلح من وماذا؟

ان مسلسل اقرار الموازنة بجميع مراحله هو فصل آخر من الفصول التي تؤكد أن لبنان في ازمة عميقة وان القيمين على الدولة جزء اساسي من هذه الازمة، وان من اوكلت اليهم مهمة اخراج لبنان من محنته لا يتمتعون بالصفات اللازمة والضرورية لخوض غمار مغامرة الإنقاذ. وفي هذا المجال لا يمكن تصديق شعار ان “التسوية الرئاسية” هي طريق الانقاذ من الانهيار! انها موازنة تكشف العورات.