//Put this in the section //Vbout Automation

يا وحشةً في قبر رضوى..!

يوسف الدموكي – عربي بوست

قبل يومين، أطلَّ علينا «تميم البرغوثي» يتغزَّل في «حسن نصر الله»، وكلاهما غنيّ عن التعريف، فكلاهما يقاوم بلسانه، تميم شاعر مقاوم، وحسن يشعر أنه يقاوم، تميم يكتب، وحسن يكذب، تميم يتغزَّل في «ياسمين التي من حلب»، أما حسن فقتَلَها وقتل كل ياسمينة في حلب. أظنك الآن سيدي القارئ معي في الصورة، ومستعد لنقرأ المقال معاً.

في ديارنا حين يتقدم أحدهم لخطبة ابنةٍ من بناتنا، يقابل الخاطب أبي وأعمامي، يجلسون معه، يدور الحوار بينهم ببساطة غير مصطنعة، يتحدثون بغير تكلّف ليرفعوا عنه توتر الموقف، يقول ما بجعبته من كلام، يسألونه لماذا ابنتنا يا ولد؟ ليفتحوا له مساحةً مريحةً أكبر في تقديم نفسه، يزيد ويعيد، يودعه أهلي بحفاوةٍ كما استقبلوه بحفاوةٍ، وفي خلال الأسبوع الذي سنعطيه الردّ بعده، يسأل أبي عنه، عن أخلاقه وفصله وأصله، من بيتٍ كريم، لأهلٍ كرام، أين حياته من الله، من أهل الله، من الحق؟




لم يخترع آبائي شيئاً، وإنما هذا هو «سلو بلدنا» من البداية. حين تقدم مريد البرغوثي إلى رضوى عاشور كانت الفتاة قد وقعت في حبه من النظرة الأولى وهو يقول الشعر على سلم جامعة القاهرة، وأي فتاةٍ تلك التي لا يعجبها شاعر؟ تقدم الولدُ ليُثبت أركان الحب، استقبله أهل البنت ورفضوه في البداية، لأنه غير مصري، ثم حاول، أثبت لهم بطريقةٍ ما أنَّ الجنسية المصرية ليست شرطاً من شروط الزواج، والحب لا يعرف اللهجات، بكل اللغات نستطيع أن نقول «أحبك» وبكل الأفعال نستطيع إثباته، أقنعهم الولد فقبلوه. هكذا تجري الأمور عندنا، ولد صالح، مريد، محب، يعرف الله، ويعرف الحق؟ أعطوه ما يريد، وزوجوه ابنتنا.

قبل أسابيع تكرر المشهد، لكن ليس بالضبط، تقدَّم إلى ابنتنا شاعرٌ حسن الوجه، جريء الملامح، فاحم الشَّعر، مفحم الشِّعر، عيناه تخترقان عيون آلات التصوير، ويصل بهما إلى كل عينٍ وراء التلفاز، لا أحد ينكر أنه شاعر مُجيد، جاءنا، وفي جعبته قصيدة يعلن بها وقوعه بحب ابنتنا، ونحن -على ما فينا من غيرةٍ- لم ننكر على الشاب قصيدتَه بحقّ الفتاة، سمعناها فأجزناها، جاءنا وقلنا له تحدث، تفلسف وقال الصمتُ في حرم الجمال…، لكن قبل أن يكمل، قاطعه أبي، قال له بل تحدَّث يا رجل، وهل يملك الشاعر إلا لسانه؟ هاتِ ما بجعبتك من مواقف، مِن مواضع للرجولة، مِن نظراتٍ إلى المشهد بالكامل.

قال أبي: برأيكَ يا تميمُ.. مَن الرجال؟ مِن أي أصلٍ يكون الرجال؟ وماذا -برأيك- يعني النضال؟ ومن المناضل؟ وكيف يناضل؟ ومن المقاوم؟ ولمَ يقاوم؟ وهل تُسقى ميادين المعارك بغير الدماء؟ ومِن أي طرفٍ تكون الدماء؟ مِن الأبرياء؟ أم مِن عساكر؟ فتَحَت ذخائر؟ بوجهِ الرسول والأولياء؟ بوجه الضحايا؟ بصدر الصبايا؟ من الصبح حتى وقوع المساء؟ من الأرض حتى وقوع السماء؟

لم يرد، ولم يمهله أبي أسبوعاً ولا يوماً، قصَّ عليه بنفسه مواقفَه، قال أتدري «ياسَمين التي من حلب»؟ ابنتنا وفلذة كبدنا؟ غير موجودة، لو كانت موجودةً لرفضناك أيضاً لكي لا تظن أن علة الرفض غيابها، بل علة الرفضِ غيابك أنت، حين قُتلت ياسمين! وهل يغيب الرجل -يا شبه رجل- عن جنازة محبوبته؟ عن أخبارها في الحصار؟ عن إنقاذها تحت الأنقاض؟ أيجهلُ الرجل قاتل مَن وهبَتْه الحياة؟ ثم حين يعرفه، أيتغزّل به ودماء عروسه لم تنضب بعد؟ هل تنكر أنك منكَر؟ أنك نكرة في العالم الحقيقي؟ أن كل بيتٍ من أبيات قصيدتك لن يستطيع أن يؤوي ولا «ياسمينة» واحدة من حقول ياسميننا المقتول؟ أتعرف أن نساءنا لا يسكنَّ بيتاً ممتلئاً بالعَروض وهو خالٍ من العِرض؟ أتعرف أننا لا نزوِّج بناتنا بمهرٍ له قافية لكن بلا وزن؟ بلا ثِقَل أصلي؟

أتعرف الحقيقة؟ سأقول لك ما قاله مريد البرغوثي -وهو أبوك بالمناسبة-: «قال الصمت: الحقائق لا تحتاج إلى البلاغة، الحصان العائد بعد مصرع فارسه، يقول لنا كل شيء، دون أن يقول أي شيء».

الحقيقة يا تميم أن هذا الزمان عجيب، يكون الأب «مريد»، وتكون الأم «رضوى»، ويكون الولد أنت! يكتب الوالد ذو الشعر الأبيض الناصع كقلبه القطني «رأيتُ رام الله»، وبعد سنوات طويلة يكتب الولد «رأيتُ نصر الله»! وهيهات هيهات بينهما! الوالد يحكي الحكاية من خلف الأسلاك، من طرف الغروب، من خيمة الشتات، من غصون الليمون والزيتون، من أرض البرتقال الحزين، من فوهة القلم والألم، من الرواية الأصلية للأحداث، بينما يروي الولدُ الحكاية المزيفة من خلف القناع الساقط، من طرف الجنود المدججين بالسلاح، من الجهة التي قنصوا منها «ياسمين»!

الراحلة رضوى عاشور مع زوجها وابنها مريد وتميم البرغوثي

يا تميم، يا وحشةً في قبر رضوى يا تميم! عروسك قُتلت، وقاتلها هو «السيد» الذي نَصَرَ كلَّ شيءٍ إلا الله، هو الذي تصدّقه، وفي رأيك، لم يكذب قط، بأننا أقوى مما نظن، وأن العدو أضعف مما يظن.
يا تميم، بل نحن أضعف مما نظن، والعدو أقوى مما يظن، إن كان خُطَّاب بناتنا مثلك، يبيعون العِرض بالعَروض، ويخذلون القافلة بالقافية، ولا يعرفون نصر الله بقدر ما يعرفون «نصرَ اللهِ»!

يا طالبَ «ياسَمين التي من حلب».. عروسُك قُتلت!