//Put this in the section
جهاد الزين - النهار

انطباعات من اليونان التي انتشلها محيطُها… بعكس لبنان – جهاد الزين – النهار

لم “ينسَخ” روجر كوهن طبعاً في تحليله الثلثاء الماضي في “النيويورك تايمس” حول نتائج الانتخابات اليونانية ما قالته لي قبل 24 ساعة من صدور مقاله إيريني عاملة الاستقبال في الفندق الصغير المبني بين حرج الصنوبر وبين شاطئ البحر على الجزيرة الصغيرة أجيستري بعد قدومي مع عائلتي إليها من أثينا. لكن في الحقيقة كان التحليل نفسه لأسباب خسارة حزب “سيريزا” اليساري (يسار وسط) بفارق كبير (نحو عشرة في المئة) أمام حزب “الديموقراطية الجديدة” اليميني (يمين وسط) في الانتخابات التي جرت يوم الأحد المنصرم. وأول هذه الأسباب إجراءات التقشف التي فرضها الاتحاد الأوروبي، خصوصا ألمانيا، عام 2015 على “سيريزا” مقابل عملية الإنقاذ المالي بعد الإفلاس، كذلك من أسباب الخسارة تحديات موجة اللاجئين (السوريين خصوصا) رغم أن حكومة سيريزا تمكنت ليس فقط من وضع اليونان على طريق الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة وخفض نسبة البطالة من 30 بالمئة إلى 18 بالمئة.

العالم أصبح صغيرا إلى هذا الحد لكي تتطابق معلومات وتحليلات معلِّق كبير معروف في الصحيفة الأميركية الأولى كتبها من أثينا مع تلك التي بحوزة وطاقة عاملة استقبال عمرها ثلاثة وعشرون عاما راتبها ثمانمئة أورو شهريا خلال خمسة أشهر فقط من السنة، وهي طالبة جامعية تعمل صيفا في جزيرة صغيرة في اليونان التي منحت حق الجنسية اليونانية لكل يونانيي البلدان المحيطة، أي اليونانيين الأرثوذكس ومنها ألبانيا، وتعود في الخريف والشتاء إلى مدينتها في جنوب ألبانيا لمتابعة الدراسة. لكن لدى إيريني، وهي اليسارية، ما تضيفه الى تحليل كوهن لعوامل الخسارة وهو فضيحة التعامل الحكومي مع حريق كبير شب العام الماضي في إحدى مناطق اليونان وأدى إلى موت أكثر من مئة شخص واعتبر ذلك دلالة على عجز فادح للدولة. أيضا الاستنكار الذي أظهره الكثير من الوطنيين اليونانيين للاتفاق الذي تم بين حكومتي مقدونيا واليونان على اعتراف اليونان باسم دولة مقدونيا مقابل تغيير تسمية تلك الدولة إلى مقدونيا الشمالية لأن اليونانيين يعتبرون مقدونيا جزءا لا يتجزأ من الشخصية التاريخية اليونانية.




وصل “سيريزا” إلى الحكم في انتخابات صاعقة عام 2015 غيّرت المشهد السياسي التقليدي باعتباره يسارا راديكاليا وضد الطبقة السياسية التقليدية ذات السمعة السيئة والتي أوصلت اليونان إلى الانهيار الاقتصادي والإفلاس. وكان يحمل شعار الخروج من الاتحاد الأوروبي بسبب رفضه الشروط الأوروبية القاسية للمساعدة. لكن تلك الأزمة بمفاوضاتها الصعبة التي كادت تزعزع الاتحاد الأوربي غيرت “سيريزا” وزعيمه أليكسس تسيبراس من حزب يسار راديكالي إلى حزب يسار وسط مع قبولهما بالشروط الأوروبية وإدارتهما للوضع الجديد، رغم الانشقاقات الداخلية في الحزب، وتراجعهما عن الخروج من الاتحاد، وهو الاحتمال (Grexit) الذي سبق المفاجأة البريطانية (Brexit) في العام التالي.

نجح زعيم حزب “الديموقراطية الجديدة” كيرياكوس ميتسوتاكيس في جعل شعاره خفض الضرائب عن الشركات لتشجيع الاستثمار والخصخصة شعاراً شعبيا على رغم أن حزبه هو من أحزاب الطبقة القديمة الزبائنية وهو نفسه ابن رئيس وزراء سابق.

… فيما نحن نغادر مرفأ بيرايوس الكبير، وهو مرفأ أثينا، نحو جزيرة أجيستري كنا كلما بعُدنا في البحر كانت تظهر أمامنا حركة السفن الحاملة للبضائع نشطة على مسافة من المرفأ الذي حولته الصين، عبر ملكية إحدى شركاتها العملاقة (COSCO) لِـ 51 بالمئة من أسهمه (مقابل ملكية الدولة اليونانية لِـ 23,1) إلى مرفأ رئيسي في أوروبا من حيث تحميل البضائع. لم أشاهد مرور السفن الصينية الحاملة للبضائع قرب بوارج الأسطول السادس الأميركي! ولكن هذا المشهد الآن هو أحد المشاهد اليومية في البحر الأبيض المتوسط كما يصف ذلك الصحافي الكندي أريك ريغولي. إنه المشهد الأكثر مدعاةً لتصوير غيظ واشنطن من “تفاقم” الحضور التجاري الصناعي للصين في بحار العالم أمام الحضور العسكري الأميركي.

بات مشهد الصينيين في شوارع أثينا مألوفا إلى حد أن كوستي، وهو صاحب شقق صغيرة يؤجرها للسياح في منطقة لابلاكا السياحية الشهيرة في قلب العاصمة، لديه انطباع أن الصينيين يعتقدون أن باستطاعتهم شراء كل شيء بالمال! أسأله: هل هو انطباع يشاركه فيه الأثينيون؟ يجيب نعم. إذن فكرة الثراء ملازمة للسائح الصيني القادم من الصين، وهذا لمست مِثْله على مستوى أوسع بكثير في أوستراليا لأن أثرياء الصين الجدد هم الذين يأتون إلى أوستراليا أو يرسلون أبناءهم للدراسة في جامعاتها. والرقم المتداول في الغرب لعدد الصينيين الذين يخرجون سنويا إلى كل أنحاء العالم ويعودون إلى البلاد هو رقم مذهل: مئة مليون شخص.

ألمانيا ليست فقط المرجع الصارم لانضباطية الاقتصاد اليوناني بمعايير الاتحاد الأوروبي، بل هي من زاوية ثانية المصدر الأول لتوافد السياح وبشكل متزايد إلى اليونان. فقد بلغ عدد السياح الألمان عام 2018 ما يزيد عن 4.4 ملايين سائح والمتوقع تخطّي هذا الرقم عام 2019.

كل ما سبق هو مقدمة طويلة لا بد منها لخاتمة قصيرة أراها جوهرية.

لقد أطلق رئيس وزراء لبنان سعد الحريري قبل أشهر رسميا، أي في تصريح علني، موجة تحذير للبنان من مصير يوناني اقتصادي. زائر أثينا، وحتى جزيرة صغيرة من مئات الجزر اليونانية، ولو قضى معظم نهاره بالشورت أو المايوه على شاطئ البحر، سيعرف فورا وبالملموس أن هذه المقارنة باتت مضلِّلة، لأن اليونان هي اليوم نموذج إيجابي للبنان وليست نموذجا سلبيا. فالبلد، أي اليونان، خرج عمليا أو يكاد من أزمته الاقتصادية المصيرية ولو كانت لا تزال أمامه تحديات كبرى. بينما لبنان هو النموذج المسيء للبنان مع وجود هذه الطبقة السياسية الجاثمة على اقتصاده وأمنه ومؤسساته بما لا يبدو الآن أنه وضعٌ يمكن تغييره.

ما هذا اللبنان الذي صار مزبلة، ليس سياسية فقط بل بيئية وهو على البحر نفسه الموجودة عليه اليونان مع مئات الجزر التي تحيطها المياه الزرقاء النظيفة كما كتب السفير اللبناني السابق إلى اليونان غابي صوفان في “قضايا النهار” قبل أقل من أسبوعين: “الكوستا نافارينو ليست الكوستا برافا”.

لا أبالغ إذا قلت إنني لم أشاهد في الماء، نفاية واحدة ولو بسيطة، على مدى أكثر من أسبوع مرّ حتى الآن.

الفكرة الرئيسية التي لا تغادر ذهني وأنا هنا على هذه الشواطئ الخلّابة هي أن لدى اليونان محيطا أوروبيا “ينتشلها” في الأزمات ويدعم تطورها الذاتي في السلم، بينما لبنان، بسبب ظروف المنطقة المجاورة له، لا يستقبل سوى المزيد من الأزمات من هذا المحيط، بما “يطوّر” العوامل السيئة الذاتية الموجودة فيه أصلا، وبما يقلِّص قدرة العوامل الإيجابية الذاتية على التبلور.

لا بلدَ صغيراً يستطيع التقدم بلا محيط مناسب، حتى سويسرا. لذلك أجدني وأنا أحاول تلافي الانتقال إلى موضوع مختلف، أقتصد في القول إن التجربة التاريخية المعاصرة تجعل من المستحيل حماية دولة صغيرة مثل لبنان من التراجع والتخلف والانحطاط من دون انتظار الاستقرار النهائي للمحيط ولاسيما منذ العام 1948 وإلى مستقبل غير منظور.

نحن اللبنانيين، أو من تبقّى منا، معنيون بتقدم وازدهار محيطنا العربي باعتبارهما حاجة استراتيجية لاستقرارنا وتقدمنا بل لبقائنا. إسرائيل وحدها المزدهرة والقوية في هذا المحيط، دولة عظمى عسكريا وصناعيا وتكنولوجيا تقوم على نظام من التمييز العنصري لا يعترف فعليا وليس شكليا بالآخر، نشأت كجزيرة في بحر من الحروب الأهلية التي ساهمت هي أصلا فيها، وإن نكن نحن المسؤولين الأساس عن هذه الحروب.

سلامٌ كامل من أجيستري، سلام من الجزر والبلاد التي أنتجت حشدا من الآلهة والإلٓهات الرائعين، وبضعة كتب لمفكرين قال ذات يوم الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان وهو ويواجه اعتراض بعض الأوروبيين على ضم اليونان للاتحاد الأوروبي… قال عن أحد أكبرهم، كما يرِد في مذكراته:

لا أحد يقول لا لأرسطو…