//Put this in the section

وزير: عُرِض عليّ 50 ألف دولار في اليوم الواحد!

رضوان عقيل – النهار

فيما تنشغل مكونات الحكومة في لملمة ترددات حادثة قبرشمون وسط نزاعات سياسية – قضائية مفتوحة تغرق اكثر من وزارة وادارة في مستنقعات حبائل الفساد وشراء الذمم وازدهار سوق الرُشى من هنا وهناك. يحصل كل ذلك والحكومة ليست في صحة جيدة لأن أكثر المؤسسات الرسمية غير قادرة على جبه “الماء الثقيل” للفساد وتخصيبه في المختبرات اللبنانية القائمة على هدر الاموال والتهرب من الرسوم الجمركية وتكبيد الخزينة بالخسائر اليومية جراء “الاقتصاد الأسود” في البلد، على الرغم من كل الوعود التي تنادي بالاصلاح وتأمين الخدمات للمواطنين من دون وساطات ومحسوبيات.




والامثلة على ذلك كثيرة، فكيف اذا جاءت على لسان واحد من أهل الحكومة. ومن دون مقدمات يعترف وزير انه أصيب بالذهول عندما أطلع على مفاتيح وزارته ومزاريب الهدر في مغاورها. ويروي ان مجموعة حضرت الى مكتبه وهي على علاقة بدوائر وزارته. وسمع منها بصريح العبارة ومن دون خجل او ارتباك: “نحن على جهوزية تامة لندفع لك 50 ألف دولار يومياً، من الاثنين الى الجمعة، شرط عدم عرقلة عملاء وموظفين يتبعون لنا في وزارتك وهم يتعاونون معنا منذ سنوات طويلة”. وتعهدوا أمامه دفع هذا المبلغ عداً ونقداً ما عدا يومي العطلة في نهاية الاسبوع.

بعد تفجير هذه القنبلة امام الوزير المعني الذي يدخل الميدان الحكومي للمرة الاولى، يقسم انه طرد “ضيوفه” على الفور بعدما أصابه هذا العرض المغري بالصدمة الذي سالت له لعاب وزراء كثيرين سبقوه الى هذه الحقيبة والتي وصفها سياسي مخضرم بـ”الدجاجة التي تبيض ذهباً”.

بعد هذه الواقعة، عمد الوزير المعني على الفور الى كف ايدي أربعة موظفين في الوزارة بعدما ثبت لهم تورطهم في اكثر من ملف سرقة وتزوير والحصول على المال غير الحلال، من بينهم سيدة ناشطة – تدعي انها مقربة ومحسوبة على فريق سياسي – في هذا الحقل ووضعهم في التصرف. ولو استطاع ان يقطع عنهم الهواء لما قصّر في ذلك من أجل منعهم من التواصل مع زملاء لهم وسماسرة من المعروفين بالاسماء حيث ينشط اكثرهم من مكاتب تقع في محيط هذه الوزارة. اراد الوزير من هذا الامر عدم انتقال “عدوى” هؤلاء الموظفين وأمراضهم الى مفاصل الوزارة. ومن كان يدري ان أخطبوطهم غير قادر على التمدد والتسلل حتى لو كانوا في جحورهم لبث سمومهم.

ولم تنته هذه المشهدية عند هذه الحدود، حيث تبين للوزير الضائع في متاهات الادارة، ان هذه المجموعة التخريبية من موظفين ومساعدين لهم من خارج الملاك الوظيفي يعملون في هذه الشبكة ويمدون خطوطاً مع سماسرة نافذين يطلعون على اكثر من ملف في وزارة تعني أكثر من ملف للمواطنين. وفي المناسبة، سبق للوزير السلف على رأس هذه الوزارة تحصيله أرقاماً مالية كبيرة بمساعدة من حاشيته لقاء الحصول على توقيع الوزير على كل معاملة.

نعم يحصل كل ذلك والاجهزة الرقابية والقضائية والمالية غائبة عن السمع والمشاهدة والمعاينة. وما يحصل في هذه الوزارة يحصل يومياً يا سادة في وزارات أخرى وسط كل الحديث الدائر حول ترشيق الموازنة، والعمل على الحد من العجز لإقرار موازانة متأخرة يتبين ان ارقامها شيكات من دون رصيد.

ويأتي من يقول ويحاضر في التهرّب من دفع المستحقات المالية التي تصل بأرقامها الحقيقية الى الخزينة. وما يحصل في هذه الوزارة هو عيّنة عن لوحة سرقات متكاملة تقع تحت أنظار وزراء وربما قضاة في دولة الحمايات المذهبية والمناطقية. وتجمع المعلومات ان الوزير المعني نظيف الكف، وهو ليس من الذين يهوون الاستعراضات والاطلالات ولا “السكوبات” الاعلامية الفارغة من المضمون.

عندما وصلت وقائع هذه التفاصيل الى مرجع كبير حاول ان لا يصدق في البداية ما تلقاه من معلومات. حفاظاً على ماء وجه الحكومة وبيانها الوزاري، ليسأل بعدها: “نحن في اي بلد نعيش؟ ومن يعلن عن استعداده لدفع 50 ألف دولار للوزير في اليوم الواحد، فهذا يعني انه يحصّل 100 الف دولار في اليوم”.

بعد التجربة الوزارية القصيرة لهذا الوزير لم يكن يعرف انه سيشرف على “منجم من ذهب” في الجمهورية غير السعيدة وصل الى خلاصة خطيرة ان لا نيّة في الاصلاح ولا قدرة جدية على جبه الفساد. ويزيد على ذلك “ان الأخطر من ذلك هو انه لم يعد امام هذا الواقع الاّ القول ان “لا مفر من السقوط المالي للبلد والانهيار الاقتصادي”.

بعد الاطلاع على هذا النوع من الوقائع في وزارات سائبة على شكل مزارع شرعت ابوابها للسماسرة والفاسدين، يصبح من غير المستغرب ان تغرق الحكومة في قبرشمون وسباق تحويل جريمتها الى المحكمة العسكرية او المجلس العدلي. واذا استمرت على هذا المنوال من السياسات والمناكفات، فإن مكوناتها يحفرون قبورهم بأيديهم!