//Put this in the section

أين ربح باسيل وأين خسر… وهل صحيح أن مشروعه في طريقه الى الأفول؟

ابراهيم بيرم – النهار

على جاري العادة في اللعبة السياسية الداخلية، فان كثيراً من المعنيين استعجلوا اصدار الحكم بالخاسر والرابح الذي يُفترض ان الاحداث الاخيرة في عمق الجبل قد  أفرزته، وعليه ما لبثوا ان أدرجوا رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل في رأس قائمة الخاسرين في كل هذه “المعمعة”، وانه أكثر من ذلك كان ضحية مكمن نصبه له خصومه فوقع فيه بفعل “تهوّره ونزقه”.




هذا الاستنتاج الذي تبنّاه خصوم رئيس “التيار البرتقالي” وروّجوا له، جاء بناء على أسس ثلاثة هي:

– ان ما شهده الجبل من أحداث دموية أفضى في خاتمة المطاف الى “فرملة” جبرية لاندفاعة الوزير باسيل الجامحة نحو استعادة ما يعتبره “مواقع مفقودة” في الجبل المختلط (الشوف وعاليه) وسواه من المناطق، وأثبت له في المقابل وبـ”قوة الامر الواقع” ان ما رسمته الحرب الاهلية من مناطق نفوذ خلال سنواتها العجاف الطويلة، يستحيل إحداث تغيير في واقعها المكرَّس، وأثبت ايضا ان مَن يحلم بتكرار تجربة أبرز زعيمين مسيحيين في التاريخ اللبناني المعاصر، اي بشير الجميل وكميل شمعون، دونه عقبات كأداء وربما كمّ من الدماء المسفوكة.

– ان حدث الجبل الاخير ادى الى ضرب “مدماك اساسي” من مداميك مشروع الوزير باسيل الى سدة الرئاسة الاولى، وهو ما تجلى في اهتزاز علاقته مع الرئيس الحريري، وهو الاهتزاز الذي مازالت تداعياته تتوالى رغم مرور ما يزيد عن عشرة ايام على احداث قبرشمون.

– ان العهد الرئاسي الذي تعامل معه باسيل على انه معبر اساسي من معابره الى قصر بعبدا، قد اصطدم اخيراً بـ”عثرة” جديدة اثّرت ولاريب على صورته وأكلت الى حد ما من رصيده.

ولاريب ان البعض مضى بعيدا في ترويج خلاصة مفادها ان “مشروع باسيل الطموح” في طريقه الى الافول.

بيد أن لهذا كله ردوداً جاهزة عند بعض المحيطين بالوزير باسيل مبنية على الاسس الآتية:

– ان باسيل كان حريصاً على سلوك عملاني يدحض من خلاله نظرية “انسداد الدروب والاتجاهات أمام اندفاعته”، وتجلى ذلك من خلال اصراره على اتمام زيارته المعلنة سابقا الى الشمال بدءا من عاصمته طرابلس رغم سيل التحذيرات له عن القيام بهذه الخطوة في ظل المناخات المتوترة.

وبصرف النظر عن الملابسات التي احيطت بهذه الجولة والتي ضخَّمها خصومه ليصلوا الى استنتاج انها زيارة فاشلة بلا جدوى، فان الاهمية التي اعطيت لها هي انها تمت وانجزت.

ويقر هؤلاء، ومن باب الجدل الافتراضي، بان احداث الجبل ونتائجها قد احدثت ندوباً مفتوحة على كل الاحتمالات في جدار العلاقة مع الرئيس الحريري، لاسيما بعد تلكؤ وزراء “التيار الوطني الحر” وتكتل “لبنان القوي” عن حضور الجلسة الحكومية المقررة سلفاً في السرايا الحكومية، وهو ما عدَّه الحريري ضربة له في الصميم. الا ان للمصادر عينها قراءاتها الأبعد والاعمق لهذا الفعل التوتيري، اذ يظهر ان باسيل اختار الدخول مباشرة  في لعبة تحدٍ ومواجهة مع حليفه المفترض عندما استشعر بان ثمة مَن أراد النيل منه. وبمعنى اوسع تعمّد باسيل ان يرسل رسالة الى خصومه فحواها انه سيد اللعبة غير المتهاون اذا ما قرر الآخرون التعامل مع حدث الجبل وكأنه “عقصة نحلة” وحدث عادي ليس إلا ولا يكتسب اي بُعد استثنائي.

اكثر من ذلك، أثبت باسيل بهذه الخطوة (مقاطعة الجلسة) انه ليس اسير تحالف معلن سابق، او انه يعتمده احدى ركائز قوته في اللعبة الداخلية، واستطراداً انه مستعد ان يبادر الى أخذ الآخرين الى خلف قضبان الازمة، اذا ما شاؤوا ان يرسموا حدودا وسدودا امام حراكه واندفاعته.

ومن البديهي ان المحيطين بباسيل يقدّمون ما حصل بعد حدث الجبل على انه برهان عملاني آخر على ان “التحالف الرئاسي” الذي مضى على ابرامه اكثر من ثلاثة اعوام هو بالنسبة الى طرفيه حاجة استراتيجية وليس امر غبّ الطلب يمكن ان يتم التحلل منه اذا ما وجد الآخرون ان مصلحتهم تكمن في ذلك، بدليل ان اي معطى لم يبرز ليثبت ان الحريري بات خارج هذا التفاهم او انه صار في حِلّ تام منه .

اما بالنسبة الى وضع العهد وصورته بعد أحداث الجبل، فان المصادر نفسها تُدرج الاصرار الذي ابداه سيد العهد على تسليم المتهمين والمشتبه فيهم مدخلاً لأي معالجة جدية، كان سلوكا طبيعيا وحكيما لمن يريد الحفاظ على هيبة العهد والدولة معا، لاسيما ان شريحة سياسية في البلد ادمنت لعبة “أكل راس كل العهود المتعاقبة” من خلال التهويل والتهديد والتخويف، فعرقلت مسار هذه العهود واضعفت الدولة ومؤسساتها.

في أي حال، فان المصادر اياها تستغرب استعجال الخصوم تظهير استنتاجاتهم بعد احداث قبرشمون مباشرة والترويج لها على اساس انها ثابتة وحقيقة لا يرقى اليها الشك، فالثابت ان مفاعيل هاتيك الاحداث لم تنتهِ بعد وتداعياتها ما زالت تتوالى فصولاً ولا شيء يشير الى العكس اطلاقاً.