//Put this in the section

عن الزيارات الداخلية لوزير الخارجية! – رامي الريّس – الأنباء

بدايةً، لا بد من إعادة تأكيد المؤكّد، وهو أن حرية التنقل بين المناطق اللبنانية مكفولة بالدستور، والقوانين، والأصول، والمنطق، للمواطنين العاديين وللوزراء على حد سواء. أما منطق الأحياء والشوارع والدساكر المقفلة فقد مضى عليه الزمن، ومن غير المقبول إعادة إنتاجه.

هذا الأمر محسومٌ في الشكل والقرائن، وينطبق على منطقة الجبل كثيراً. وسبق أن زار هذه المنطقة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، والبطريرك بشارة الراعي، في أكثر من زيارة، وكذلك رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، والرئيس أمين الجميل، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، والعماد ميشال عون نفسه قبل أن يصبح رئيساً للجمهورية. وغير صحيحٍ ما يقال بأن كل هذه الزيارات تمّت من بوابة معينة، بل إن بعضها حصل بطريقة عفوية طبيعية.




الفارق الوحيد هو أن ثمة خطاباً يجمع بين اللبنانينن، وثمة خطاب آخر يفرّق بينهم، ويعزز الشعور الاستفزازي عند قسمٍ كبير منهم. وهذا ما دأب عليه وزير الخارجية جبران باسيل في كل جولاته المناطقية.

لقد استفز هذا الوزير بخطابه المرتكز على نبش قبور الماضي، واستعادة لغة الحرب الأهلية، ومحاولة الترويج لإنجازات زائفة، وغير حقيقية، أدّت كلها إلى توليد التوتر في كثير من المناطق، وليس فقط في منطقة الجبل.

لقد اصطدم هذا الوزير بمعارضيه في العديد من المناطق التي زارها، ولكن طبعاً حجم الاستفزاز كان أكبر، وولّد ردة فعل أكبر في منطقة الجبل أدّت إلى ما أدّت اليه كما بات معروفاً.

إن تصوير المسألة على أن حرية التنقل يكفلها الدستور، أو أن ثمة مشكلة في حرية التنقل، وإقفال مناطق على مسؤولين أو سواهم هو تصوير خاطىء، ويرمي إلى تشويه الوقائع، ولا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة!

الواقع هو أن التركيز على هذا الجانب يهدف إلى التغاضي عن طبيعة الخطاب الاستفزازي الذي يدلي به هذا الوزير، وقد أصبح كلامه مشيناً ومزعجاً في كل الاتجاهات، وكل المناطق. والدليل هو الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى تخوم مدينة طرابلس، وعندما التقى عدداً محدوداً من مناصريه في مقر معرض رشيد كرامي الدولي، الذي يقع على أبواب المدينة وليس في قلبها.

والملفت أنه لم يجد حتى أياً من حلفائه لاستقباله، أو للترحيب به. وهذا يدل على أنّ خطابه المسيء لا يفعل فعله حصراً في منطقة الجبل، بل في كل المناطق اللبنانية، ومع حلفائه قبل أخصامه!

بمعزلٍ عن تجيير الدولة، وأجهزتها الأمنية والعسكرية، لمواكبات جرّارة تتطلب تحريك مئات عناصر الأمن، وما إذا كان يحق لوزير الخارجية الذي يزور هذه المناطق بصفته رئيساً لتيار سياسي، إلّا أن ذلك يطرح بدوره أيضاً إشكاليةً تتصل بهذه “المونة” الزائدة على الدولة، وأجهزتها من قِبَل هذا الوزير.

ألم “يستدعي” هذا الوزير جهازاً أمنياً لمساءلة السلك الديبلوماسي، وموظفي وزارة الخارجية، بطريقةٍ مهينة وخارجة عن الأصول؟ ألم يطلب الوزير نفسه من الجهاز الأمني نفسه اقتحام جريدة “الأخبار” لأنها نشرت مقالاً أزعجه (ولو أن عدداً من أقلامها مريضة، وتمارس التشويه المنهجي للحقائق على شاشات التلفزة!)

اللبنانيون سئموا من مصطلحات الحرب الأهلية، ويريدون طيّ هذه الصفحة نهائيأ وإلى غير رجعة. وما إصرار هذا الوزير على إعادة استنهاض هذه المرحلة إلا الدليل على واحد من إثنين: إما ممارسة السياسة بصبيانية موصوفة لا تعكس وعياً كافياً لطبيعة التركيبة اللبنانية، وإما أنها ترتكز على سعي حثيث لإحداث تحوّلٍ في موازين القوى الداخلية، وبطريقةٍ أقل ما يقال فيها أنها تؤدي إلى إشعال التوتر مجدداً في غير منطقة لبنانية.

حبّذا لو يهتم وزير الخارجية بسياسة لبنان الخارجية بعد أن عطّلها في السابق بعد التوتر مع الخليج العربي، وتلاعب بسياسة النأي بالنفس وفق ما يتلاءم مع مصالحه، واستسهال إسقاط عداوة لبنان لإسرائيل. وحبّذا لو يعود ويهتم بملف المخفيين في السجون السورية الذي كان تعهد هو وتياره بإيجاد حلٍ له خلال فترة زمنية قصيرة، وقد مضت سنوات على هذا الوعد دون أن يشق طريقه إلى التنفيذ!