//Put this in the section

جنبلاط يشعر بالخطر الكبير وبرّي يواكبه لحماية الحكومة والطائف

ابراهيم حيدر – النهار

أياً تكن الاستهدافات من وراء تعطيل الحكومة، فإنها لن تصل الى مرحلة تفجيرها، اقله بالنسبة إلى رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الذي أفصح في لقاءات عدة وفق مصادر سياسية متابعة انه ليس بوارد الاستقالة في هذه اللحظة العصيبة التي يمر بها البلد، ولا يقبل بأن يحمل مسؤولية انفراط عقد التسوية بسبب تطورات وحوادث ليست من صنعه. كذلك لفتت المصادر إلى أن وليد جنبلاط حزم أمره بعدم استقالة وزراء التقدمي من الحكومة في اللحظة الراهنة بالرغم من أنه يشعر باستهدافه ومحاولات إقصائه لا بل قرر المواجهة وإعادة ترتيب خريطة حلفائه، لحماية “اتفاق الطائف” ومنع تحول لبنان الى محمية لقوى تريد الهيمنة في شكل مطلق على القرار في البلد.




يقال ان رئيس مجلس النواب نبيه بري أدى دوراً في هذه الحصيلة، فهو وإن كان في موقع الحليف لـ”حزب الله”، انطلاقاً من تحالف الثنائي الشيعي، إلا أنه شعر بفعل ما يحصل في مجلس الوزراء، بأن هناك من يريد أن يأخذ البلد الى قفص سياسي أوحد، تتطاير شظاياه على الجميع، ومنه تنبثق توازنات جديدة بعد تهشيم التوازنات الحالية وأدوارها، إذ أن العهد يريد تكريس تقاليد وأعراف بفعل الأمر الواقع يحسم فيها التيار الوطني الحر بدعم من حليفه “حزب الله” الأمور، بما يؤدي في النهاية إلى ضرب اتفاق الطائف والعبث بصلاحيات الطوائف. لذا كان لافتاً استمرار التواصل بين بري وجنبلاط والحريري لإعادة ضبط الحالة السياسية التي وصلت الى حدود الانفجار، خصوصاً وأن البلد يمر بمنعطف اقتصادي خطير ويتعرض إلى المزيد من العقوبات على ما قررته الخزانة الاميركية ادراج أسماء نواب وقيادات من الحزب على لائحة الإرهاب.

أكثر ما يهم بري في هذا الوقت وفق المصادر المتابعة هو أن يكون جنبلاط في موقع قادر على المناورة والمواجهة، إذ أن إضعاف هذا الموقع يعني فرط أحد ركائز اتفاق الطائف والموقع الوطني في الجبل الذي سيدخل في حالة فوضى لن تسلم منه المصالحة التاريخية، كذلك فإن إضعاف جنبلاط سينسحب على الموقع الذي يمثله نبيه بري تاريخياً، خصوصاً وأن علاقته مع العهد ليست على ما يرام، وهي إلى مزيد من التأزم مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي وقف مطالباً بإعادة مناقشة الموازنة في مجلس الوزراء ووجه سهامه الى وزير المال علي حسن خليل. وكذلك يريد بري للحريري أن يكون في موقع رئاسة الحكومة قوياً وقادراً على حسم الامور بصرف النظر عن الخلافات المرتبطة بملفات عدة. وإن كان بري نفسه يريد أن تبقى علاقته بطلال أرسلان جيدة، لكن حساباته تختلف في العلاقة مع جنبلاط.

وبينما سعى بري إلى التهدئة والمصالحات، فجمع جنبلاط والحريري، كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي يتقدم في نقل معركته إلى الفضاء اللبناني، متسلحاً بموقعه العام، إذ أن تقوقعه ضمن الساحة الدرزية قد يسهل استهدافه، لذا حسم التمسك بالحكومة، وهو يعرف بأن خروجه منها ايضاً قد يسهل الانقضاض عليه، في وقت يعرف الحريري أيضاً أن سقوط الحكومة في هذه اللحظة لا يمكن تأليفها مجدداً بالشروط نفسها أو بالتسوية ذاتها. وقد أعيد التواصل مع القوات اللبنانية لتثبيت كتلة وازنة في مجلس الوزراء تعيد تصويب الأمور في وجه الثلث المعطل أولاً ثم الأكثرية الممانعة التي يتسلح بها العهد لتمرير مشاريعه. ويعني ذلك أن هناك كتلة متراصة في وجه تمسّك عون وباسيل ومعهما النائب طلال أرسلان وكذلك “حزب الله” بمناقشة الحكومة طلب إحالة حادثة البساتين على المجلس العدلي. ووفق المصادر السياسية انه اذا نجح العهد في تحويلها فإنه بعطي لباسيل موقع قوة أكبر في المعادلة، وهو أمر لا يقبل به ايضاً رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، خصوصاً وأن هذه القضية تخص معركة الرئاسة أيضاً.

ولأن جنبلاط يعلم أن رأسه مطلوب، أو على الأقل إضعافه مقرر في اللحظة الراهنة، فإنه لا يمكنه التراجع أو الاستسلام، وفي الوقت ذاته هو قرر الانفتاح على كل الحلول، ووجه رسائل الى “حزب الله” بأن اللحظة السياسية الراهنة في البلد والمنطقة لا تحتمل تصفية حسابات، وأن السير في حصاره في مجلس الوزراء لا يخدم الحزب أيضاً في اللحظة التي يتعرض فيها لعقوبات جديدة، فهو مطالب بأن يكون أكثر انفتاحاً على الجميع لحماية نفسه وحماية البلد أيضاً واستقراره.

أما المفارقة فكانت لافتة، إذ أن جنبلاط لم يقم بهذه المواجهة منذ 7 أيار 2008، وهذا يدل على أنه شعر بالخطر الكبير. وفي معزل عن موقفه من الثورة السورية، إلا أنه انفتح داخلياً على الجميع خلال السنوات الماضية، وهو سار بتسوية انتخاب عون رئيساً للجمهورية. ولأنه لمس بأن قرار محاصرته في قلب الجبل كان متخذاً مسبقاً، إلى منعه من التنفس من الرئة اللبنانية، حتى بالعلاقة مع سعد الحريري، والا يكون له تأثير في المعادلة اللبنانية، دفعه ذلك إلى رفع الصوت رفضاً لمحاولات التلاعب بالساحة الدرزية أيضاً، إلى غياب الأمان السياسي بحده الادنى، حيث انفجرت الأمور خلال زيارة باسيل الى الجبل، وسلكت المواجهة طريقها إلى مجلس الوزراء. ولذا اختار الانفتاح على بري والحريري والقوات لتوفير مظلة حماية له، من دون تقديم المزيد من التنازلات باستثناء الحفاظ على الاستقرار والقانون.

لم يترك لجنبلاط اي خيار آخر على رغم ما قدمه من تنازلات، أو تسويات، خصوصاً وأن كل السهام حاولت طعنه أمام الانتقال السياسي لتسلم تيمور جنبلاط الدفة، لذا لم يعد الأمر يحتمل، وإذا كان من أحد يريد تغيير قواعد اللعبة فلتفتح المواجهة على مصراعيها.

يبقى أن جنبلاط صارح أيضاً الحريري بتأكيد الحرص على العلاقة معه، وإصراره على حفظ التوازنات في البلاد، وهو لا يريد للحريري أن يصادم العهد، لكن المطلوب ضبط محاولات الانقلاب على التوازنات وما أرساه اتفاق الطائف من معادلات، بالتوازي مع تحصين الوضع الداخلي.