//Put this in the section

هل يستقيل جنبلاط من الحكومة؟

مجد بو مجاهد – النهار

تستعيد ذاكرة السياسة اللبنانية سلسلة “انتصارات” ارتبطت بسيرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ومسيرته، مذ ألبسته الظروف عباءة الزعامة عقب استشهاد والده الزعيم كمال جنبلاط، ولا يزال كثر من مؤيديه يرددون بعد مرور عقود تربّع فيها زعيماً على عرش المختارة، أنه “البك” الذي فرض شخصيته الكاريزماتية، كما هو، بـ”الجينز” و”الموتوسيكل”. ولم تكن حادثة قبرشمون وما تلاها من تلويح بورقة المجلس العدلي في “استعادة لمنطق سيدة النجاة”، وفق ما ذكره الوزير وائل أبو فاعور قبل أيام، عاصفةً غريبة على العقل الجنبلاطي. فالتاريخ شاهد على مواجهات أكثر ضراوة أثبت فيها جنبلاط براعته في ركوب الأمواج العاتية في زمن الحرب كما في حقبة “ثورة الأرز”، يوم غدا رأس حربتها. ولا أحد يعي السرّ المرتبط بجنبلاط، فالتقدميون الذين شربوا من ينابيع الشوف وعاليه، ما فتئوا يردّدون مدى السنين عبارة أن “جنبلاط يربح في زمن الحرب والمواجهات ويخسر في السلم”. ويذهب اولئك الذين يؤمنون بحكم القدرية، الى التسليم بفرضية أن لجبنلاط نجمة حظّ ترافقه في السماء، باركت مسيرته السياسية، حتى أنها أخرجته حياً من اغتيالٍ محتّم تربّص به سنة 1983.




قد تختصر تغريدة جنبلاط قبل أيام، إجابته عن التساؤلات كلّها: “الحقّ معنا مهما طال الزمن”. ولا يبدو زعيم المختارة وحيداً في مواجهته المستجدة، فـ”التضامن مع معظم المكوّنات الحكوميّة وعلى رأسهم رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، من شأنه أن يحصّن موقف التقدمي الداعي الى استكمال التحقيق في كلّ الاتجاهات ومع كلّ من كان ضالعاً في اشكال البساتين، على أن يشمل تسليم المتورّطين من الجهتين”، وفق ما يقول عضو “اللقاء الديموقراطي” النائب مروان حماده لـ”النهار”، مؤكّداً أن “الاستقالة من الحكومة مسألة غير مطروحة في هذه المرحلة”.

دحْض التقدمي فرضية الاستقالة، تقابلها أقاويل أشيعت في صالونات سياسية، مفادها أن رفض جنبلاط الانسحاب من الحكومة مردّه الى بقاء نجمه وحيداً، بعد استبعاد “القوات اللبنانية” أي نية للاستقالة من جهة، وتأمين الوزير صالح الغريب الميثاقية الحكومية باعتباره الوزير الدرزي الثالث. ينفي حماده هذه النظريات، فـ”لم نصل في أي وقت الى هذا الحدّ، والضابط هو العلاقة مع رئيس الحكومة ومعظم المكونات داخل التركيبة الوزارية. وفي كل الاحوال، الميثاقية الدرزية يمثلها اللقاء الديموقراطي والحزب التقدمي الاشتراكي، ولا يبقى منها شيء اذا انحصرت بمقعد وزاريٍّ تنازل عنه جنبلاط تسهيلاً للرئيسين ميشال عون وسعد الحريري في تشكيل حكومة بعد أشهر طويلة من التعثّر”.

نقطة جديدة يسجّلها جنبلاط في معركته السياسية، هي تلاشي ورقة إحالة ملف قبرشمون على المجلس العدلي، وفق تأكيد حماده، فـ”الموضوع ليس وارداً ما دام تبيّن أن لا مكمن أو مؤامرة، بل احتكاكٌ يعود الى استفزاز مشاعر المواطنين في الجبل من طريق التصرفات والأقوال غير المعهودة بعد المصالحة التاريخية”. وعمّا أشيع من تأييد “حزب الله” الاحالة على المجلس العدلي، يقول: “هذا التلميح استنتجه البعض بسبب ظهور الوزير محمود قماطي وأقواله في اللحظات الاولى التي تلت الواقعة، بيد أن الحزب لم يتّخذ، لا في العلن ولا تلميحاً، موقفاً من ادراج موضوع المجلس العدلي أو بته في مجلس الوزراء”.

وبذلك، المواقف تتطوّر يومياً في القضية، وقد “ظهر للجميع ضرورة ترك التحقيق يأخذ مجراه، حتى قبل أن تصل المسألة الى القضاء، ووجوب تركيز الحكومة في الأسابيع المقبلة على الأولويات الاقتصادية واستحقاقاتها الداهمة بالنسبة الى إقرار الموازنة وتصويب بعض القرارات الاقتصادية في مجلس الوزراء وخوض معركة استعادة ثقة المانحين ووكالات التصنيف لتأمين الغطاء الخارجيّ لعملية الانقاذ المالية والاقتصادية والنقدية”، وفق حماده.

إذاً تنسجم نجمة جنبلاط السياسية هذه الأيام مع نجمة رئيس الحكومة، فـ”قبل أحد المواجهة في قضاء عاليه، كانت العلاقة مع الرئيس الحريري قد سلكت طريق العودة الى التفاهم والتنسيق، وقد توطّد هذا الاتجاه مع امتعاض الحريري من التصعيد والاستفزاز المستمرّين من الوزير جبران باسيل وبعض التيار العوني على امتداد الجمهورية اللبنانية”، وفق حماده الذي يصوّب على لقاء عين التينة، معتبراً أن “العودة الى تلك اللقاءات الحميمة التي لا تخلو من الصراحة والمفعمة بروح الصداقة التاريخية، هو دليلٌ على تخطي مرحلة ربما فهم كل فريق خلالها التسوية بشكل مختلف”.

ويبدو أن نجمة جنبلاط تسطع هذه الأيام برّاقةً في سماء موسكو أيضاً، وهذا ما عبّر عنه بيان سفارة روسيا في لبنان، كاشفاً عن زيارة سيقوم بها جنبلاط لموسكو حين تسمح أجندة مواعيد الرئيس فلاديمير بوتين باستقباله. ويؤكّد حماده في هذا الصدد أن “روسيا ليست غائبة عن المسرح اللبناني والاقليمي. وهي تعلم بعد طول اختبار رجاحة القوة في الجبل وموقع المختارة والحزب التقدمي لدى الرأي العام ودورهما في تكريس المصالحة وتوثيق العلاقة الدرزية – المسيحية، على أساس مسلمات البطريرك صفير، أي السيادة والاستقلال ودولة القانون”، لافتاً الى أن “التكهنات كثيرة حول الزيارة وليس بالأمر الجديد أو الغريب أن يتم دورياً التواصل المباشر بين جنبلاط وحزبه والكرملين”.