//Put this in the section //Vbout Automation
وسام سعادة - القدس العربي

لبنان: طوائف خشنة… ومرهفة الإحساس – وسام سعادة – القدس العربي

إلى حد كبير، اللعبة بين الطوائف اللبنانية محكومة بالخشونة المتبادلة من ناحية وبالتسابق على المشاعر المرهفة من ناحية ثانية. لأجل ذلك حين يزور رئيس التيار العوني وصهر رئيس الجمهورية ووزير الخارجية جبران باسيل المناطق المختلفة، التي صار يفرز لكل منها صبغة طائفية غالبة عليها، تحضر هذا المزيج الغريب العجيب، بل المرضي، بين الخشونة والحس المرهف. فأضف إلى استفزازات الزائر وشعاراته المزايداتية الشعبوية، تشعرك القوى المقابلة الممتعضة أو المحتقنة من زيارته بأنّها حساسة زيادة عن اللزوم، ومرهفة الأحاسيس تخدش مشاعرها من أول غمزة.

المزج بين خشونة الطوائف وإرهافها هي أكبر مشكلة يواجهها البلد. ويسري ذلك في السياسة كما في الاقتصاد. كل طائفة «يأخذ على خاطرها» أن يكون امرؤ أو منبر توجّه لها بغير آداب المجاملة. لأجل ذلك هناك دائماً الإيحاء كما لو أنّ كل النزاعات تتركز على ما هو «معنويّ»، كما لو أنّ التناقضات المادية، أو الفعلية، بين الطوائف هي غير موجودة، هذا في الوقت نفسه الذي يجري فيه التأكيد على أن الطوائف هي كيانات ملموسة، قائمة بالفعل، ناجزة، وليس مجرّد حالات «معنوية».




لأجل هذا قد لا يكون الشعار الإصلاحي الأنسب هو تجاوز الطائفية الذي تحوّل مع الوقت إلى عدّة نصب تزاول في بازار الطوائف، بل أنّ الأكثر تكشيفاً على الواقع من ناحية، والأجدى طرحه لتحسينه من ناحية ثانية، هو التداعي لنقل الصيغة الطوائفية إلى مرحلة «سنّ الرشد» بين الطوائف. أي على قاعدة أن تصير هذه الطوائف في عراكها مع بعضها البعض خشنة أقل، ومرهفة الأحاسيس أقل، وأن توضح بشكل «نثري» للغاية ما الذي تريده وما الذي ترفضه، بدلاً من تحاول افتراء «الشعر»… بسبب من فشلها في افتراء السحر.

ثمّة أسطورة يجري انتاجها على الدوام، تظهر معها كل طائفة كما لو كانت جسداً له رأس وجسم وأعضاء، جسد خشن من ناحية، وجياشة عاطفته من ناحية ثانية، بحيث أنّ كلّ كلام موجّه إلى نفر من هذه الطائفة يمكن أن يحوّل إلى كلام موجّه إليها ككل، وإلى جميع أجيالها، التي مرّت والتي تمرّ والتي لم تولد بعد. في الوقت نفسه، قد تتفاوت القسمة الداخلية ضمن كل طائفة لكنها موجودة فيها جميعاً، وفي كل طائفة مزاج أكثري يتعامل مع الخارجين عنه على أنّهم «خوارج» وتبّع لطائفة أخرى. هنا أيضاً، يمكن للصيغة الطائفية أن تتخفف من هذه الأسطورة من دون أن يلتغي النظام الطائفي بالضرورة. التعوّد على فكرة أن كل جماعة تتضمن أفراداً لكل منهم كينونة قائمة بذاتها، وأن كل جماعة تتضمّن أيضاً جماعات فرعية، سواء لأسباب مناطقية أو اجتماعية أو لهجوية أو سياسية، هو مدخل أساسي لمراجعة العلاقة مع معادلة الطوائف.

هل الطوائف جماعات متخيلة؟ نعم ولا. هي متخيلة بمقدار ما لأعضاء كل منها من مخيلة مشتركة، أو جماعية. لكنّ هذه المخيلة المشتركة قد لا تتوسع الى كل الفئات المدرجة في طائفة واحدة. الطوائف جماعات متخيلة إنما مع مخيلات مشتركة غير مكتملة، أو لنقل مبتورة. وهي تستند في المقابل إلى حيثيات واقعية غير مختزلة في الأخيلة، لكنها حيثيات مختلفة ومتفاوتة من طائفة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى. فالطائفة ليست وحدة سوسيولوجية، وهذا يعني أنه سوسيولوجيا لا نقول الشيء نفسه اذا صنفنا الدروز طائفة أو الأرمن طائفة أو الشيعة طائفة.

هذا الطابع المتفاوت بين الطوائف من ناحية تفاوت درجة الوحدة السوسيولوجية لكل منها، وتفاوت درجة اتساع المخيلة الجماعية لكل منها الى مجمل اركان الطائفة، هو ما يجعل هذه الطوائف تواقة إلى خطابية «قومة رجل واحد»، ومشهدية «الجسد الواحد»، الذي يطل برأس واحد، وينبني في الوقت نفسه على تصرف استبعادي، اقصائي، بازاء من يعتبرهم خوارج.

وكل هذا يعود الى تزخيم المفارقة «النفسية»: تمازج الخشونة والحساسية المرهفة المتيقظة دائماً لأقل اشارة، ولو كانت غير مباشرة، لأقل «نيل من فلان او علتان» يحتسبان كرموز للطائف.

طوائف أقل خشونة وأقل حساسية، ستكون أكثر قدرة على فهم أنها ليست المعطى الوحيد، وأنّ ثمة أفرادا، وأن أساس المشكل هو كيفية اقرار معادلة متبادلة بين حقوق الأفراد وبين حقوق الجماعات، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بتقديم حقوق الأفراد على حقوق الجماعات مع عدم المكابرة أو الجحود بهذه الأخيرة، بكل ما في مقولة حقوق الجماعات من مفارقة أيضاً.

فمن ناحية، هي حقوق انتمائية لأطر لا يكون فيها الانتماء طوعياً، وهي تعني التصالح مع فكرة ان الانتماء ليس دائماً مسألة طوعية، لكن ثمّة «أولوية اعتبارات» يمكن ان تتبدّل بين شخص وآخر، ويمكن على أساس أولوية الاعتبارات هذه أن يشعر شخص انه معني أكثر من سواه باحتضان هذا الانتماء اللاطوعي، والتصرّف حياله كما لو انه انتماء طوعي، في حين يبرز الآخر مشكلة أكبر مع هذه اللاطوعية.