//Put this in the section //Vbout Automation

إيران تفاوض أكرادها تجنّباً لمفاجآتهم؟

مسعود محمد – القبس 

وسط الضغوط التي تعيشها إيران، نتيجة الحصار الاقتصادي الأميركي، ومع احتمال اندلاع المواجهة العسكرية بينها وبين الولايات المتحدة، في أي لحظة، يرقب النظام الإيراني تحرّكات الكرد وتنسيقهم مع حلفائهم في العراق وسوريا، من أجل أن يأخذ الاحتياطات لسيناريو مُحتمل يشمل مفاجآتهم له، عندما تندلع أي مواجهة.




وحتى الأمس القريب، كان الحوار بين طهران والكرد بالحديد والنار، وآخره استهداف إيران مقرات لأحزابهم في شمالي العراق، منها حزب «كومله»، الذي استهدفته بعبوات ناسفة، لم تنفجر، وجرى كشفها، ومقر «الحزب الديموقراطي الكردستاني» الذي قصفته بصواريخ موجَّهة.

فهل تقود الخشية من الكرد إيران إلى التفاوض معهم ومهادنتهم، لتزيل خطراً من الأخطار المحدقة بها، داخلياً وخارجياً، وتمنع التحاقهم بجبهة معادية لها، خصوصاً مع ازدياد التوتر بينها وبين الولايات المتحدة؟

الحضور والمطالب

لا يمكن الجزم بعدد كرد إيران، في ظل عدم وجود مرجع ذي مصداقية كافية، خصوصاً أن الرقم سلاح سياسي في منطقة الشرق الأوسط التي تعج بالأقليات وبالطموحات الانفصالية. لكن التقديرات تقول إنهم يمثّلون ما بين %7 إلى %9 من إجمالي السكان، البالغ عددهم قرابة 78 مليون نسمة. والأقرب إلى الحقيقة أن الكرد هم العرقية الثالثة في البلاد، بعد الفرس والآذريين. ويتركز وجودهم في جبال زاغروس، على امتداد الحدود مع تركيا والعراق، متجاورين مع نظرائهم الكرد في هذَين البلدَين.

ووفق المحافظات، يتوزع كرد إيران على أربع منها، هي أذربيجان الغربية، كردستان، كرمنشاه، وإيلام.

تاريخياً، لم تعترف إيران بخصوصية العرق الكردي، وهو ما طمح إليه الكرد في إيران، كما هو شأنهم في عموم المنطقة، وعندما قامت الثورة الإسلامية، شارك فيها الكرد، وكانوا يتوقعون أن يحصلوا على بعض الامتيازات في ظلها، أقله الحكم الذاتي، وهو ما رفضته السلطات الإيرانية بالمطلق، ومنعتهم من المشاركة في كتابة دستور الجمهورية الناشئة، واعتبرت أن الطابع الديني للجمهورية الإسلامية كفيل بتحقيق ما تصبو إليه القوميات الأخرى.

وتختلط مطالب الكرد مع القوميات الأخرى في إيران، التي غلب عليها الانتماء المذهبي السُنّي، مثل البلوش والتركمان، الذين يشكون جميعاً من انعدام الفرص أمامهم، فضلاً عن ذلك، هناك بعض الجهود بين هذه القوميات وغيرها لأن تتوحّد كقوميات متضرّرة من النظام القائم.

ويقول كرد إيران إنهم يتعرضون إلى اضطهاد منظم من السلطات الإيرانية، وإنه يحظر عليهم تعلم اللغة الكردية في المدارس، ويواجهون تقييدات في نشر الأدب الكردي، وأن ما يصدر من منشورات كردية يصدر بإشراف المخابرات، وذلك على الرغم من أن البند 15 من الفصل الثاني للدستور ينص على حق الأقليات في استعمال لغاتها في المجالات التعليمية والثقافية.

وعلى الرغم من أن المادة 19 من الفصل الثالث من الدستور تنص على عدم التمييز بين الإيرانيين على أساس عرقي، فإن الكرد يقولون إن هناك تمييزاً ضدهم في فرص العمل.

لماذا تخشاهم؟

تنظر إيران إلى الكراد – مع اختلاف لغتهم وتقاليدهم وتحالفاتهم عبر الحدود – على أنهم خطر حقيقي، فقد أثبتوا أنهم الرقم الصعب في المعادلة الإيرانية، خصوصاً أنهم طرف مسلَّح، ولديهم تاريخ طويل من الصراع مع النظام، يمتد إلى أكثر من أربعين عاماً.

فخلال حكم الشاه رضا بهلوي، اندلعت ثورة للكرد عام 1946، وأنشأت «جمهورية مهاباد» في أقصى شمال غربي إيران، حول مدينة مهاباد، التي كانت عاصمتها، وكانت دُويلة قصيرة مدعومة سوفيتياً، كجمهورية كردية، لكنها لم تدم أكثر من 11 شهراً، غير أنها كانت كافية لتلهم الشعور – الكردي عامة والإيراني خاصة – بالاستقلال. وعام 1962، اندلعت ثورة كردية ثانية، وفشلت أيضاً.

كانت المنظمات السياسية الكردية مؤيدة بحماس للثورة ضد الشاه، التي جلبت آية الله خميني إلى السلطة عام 1979، إلا أن تأييد الكرد للثورة لم يسهّل العلاقة مع السلطة الجديدة، فاصطدموا مع النظام الجديد، واستمر الكفاح المسلح إلى عام 1983 حتى أجبر النظام الإيراني على التفاوض مع القيادات الكردية، تحت ضغط المقاومة والقتال، إلا أن الإمام الخميني منع أكراد إيران من المساهمة في كتابة الدستور.

الجولة الثانية من المفاوضات جرت عام 1988 في فيينا، على مرحلتین، أولاهما آخر أیام عام 1988، وأول أیام 1989، وثانيهما في الیومین الثاني عشر والثالث عشر من يوليو 1989، حيث اغتالت إيران حينها مسؤولي وممثلي الحرکة القومیة الكردیة في کردستان إیران، في يوم يصادف الذکری الأربعین لوفاة الخمیني. واغتالت طهران أيضا الدكتور صادق شرف كندي، في برلين، عام 1992، ومنذ ذلك الحين تتواصل الاعتقالات والإعدامات بحق الناشطين الكرد. ثالث جولات التفاوض، كانت على إثر سقوط نظام صدام حسين عام 2003، حيث لعب كرد العراق دورا مهما في إسقاطه وتكريس دور مهم لهم في العراق الجديد، وحينها كان النظام الإيراني خائفا من أن يكون التالي على لائحة السقوط، فتواصل مع المعارضة الكردستانية الإيرانية، وتحديدا مع حزب «كومله»، إلا أن تلك المفاوضات لم تصل إلى نتيجة.

ما بين الأمس واليوم

لا شك أن كرد إيران قوة فاعلة مُهابة الجانب من النظام الإيراني، وكان آخر فصول المواجهة بين الطرفين قصف طهران مقرات مقرات أحزاب الكرد في شمال العراق، حيث استهدفت مقر «كومله» بعبوات ناسفة، لم تنفجر وتم كشفها، ومقر الحزب الديموقراطي الكردستاني، بصواريخ موجهة.

وهناك الآن مجموعة من العوامل التي ستدفع إيران إلى التفاوض مع الكرد، للمرة الرابعة، منها:

1 – معاناتها من تداعيات الضغط السياسي والاقتصادي الذي تديره واشنطن عليها، ما يجعلها تسعى إلى إزالة خطر الكرد كواحد من الأخطار المحدقة بها، تجنّباً لمعاداتهم حين اندلاع المواجهة مع واشنطن.

2 – انفتاح القوى الكردستانية الإيرانية على الدول العربية، ورفض القوى الكردية العراقية الانجرار إلى المحور الإيراني.

3 – توجيه أنظار الإيرانيين الغاضبين من الوضع الاقتصادي الهش للبلاد إلى الخارج، وترسيخ مفهوم المؤامرة الخارجية، للهرب من مواجهة التظاهرات العارمة.

ومن المؤكد أنه حال انعقاد المفاوضات فسيكون للكرد شروط تشمل حقوقهم وتنازلات من طهران وربما يطالبون باستقلال فدرالي، للوصول الى الهدف نفسه الذي حققه أكراد العراق، من دون أن يأخذوا بعين الاعتبار الظروف الموضوعية والسياسية التي تختلف عن ظروف عام 2003.

الأيام المقبلة ستكشف تعامل طهران مع الكرد ومطالبهم، وصيرورة المفاوضات، فكل ذلك رهن بتطورات الصراع ما بين طهران والولايات المتحدة وسيناريوهات الحرب، إذا اندلعت.