//Put this in the section //Vbout Automation

الأسد ما بين باسيل وجنبلاط

مسعود محمد

منذ عام 1975 لم يكن هناك لحافظ الأسد من شاغل يومي الا التمرس والتلاعب بالطوائف اللبنانية المنقسمة وحفر الخنادق فيما بينها للإيقاع بها وإستتباعها وصولا للسيطرة على لبنان كاملا ولو كان البلد أنقاضا. وقد نجح النظام السوري بأن يذهب أبعد من تقسيم لبنان طائفيا، بأن كرس الإنقسام حتى داخل الطوائف عبر خلق ديفرسوارات تابعة له داخل كل طائفة تنفذ أجندة النظام السوري في لبنان.




من أبرز توابع النظام السوري في لبنان لدى المسيحيين جماعة الرئيس عون ويشكل رأس حربة العمالة للنظام السوري فيها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الطامح لرئاسة لبنان من بوابة سلاح حزب الله ورعاية النظام السوري، وهو الذي لو لم يفصل قانون الإنتخاب في منطقته على قياسة لرسب في الإنتخابات كما رسب دائما حتى في إنتخابات البلدية. أما في الجانب الدرزي فهناك شخصيتان تتبعان للأجندة السورية وهما وئام وهاب، وطلال أرسلان الذي لا يمون حتى على قصر خلدة الذي يسكنه، ولولا ترك وليد جنبلاط مقعدا له في الإنتخابات النيابية لما حلم بالنيابة ولو أتى بشار الأسد شخصيا الى الجبل وطلب من أهل الجبل إنتخابه. لا نكشف سرا عندما نقول أن رأس حربة النظامين السوري والإيراني في لبنان هو الثنائي الشيعي المستد الى ترسانة سلاح غير شرعي يهدد بها كل الطوائف اللبنانية وإستخدمه لفرض سطوته وسيطرته على لبنان بالنيابة عن النظامين السوري والإيراني.

لكل مقام مقال والنظام السوري بارع بخلق الدمى المتحركة تناسب كل مرحلة حسب مقتضياتها لتنفيذ أجنداته في لبنان، ودمية المرحلة بإمتياز وزير خارجية لبنان الذي يبدو إنه قد التبس عليه دوره فبدل أن يجول العالم ليرفع إسم لبنان، ويساعده على الخروج من أزماته الإقتصادية والسياسية، يجول بجولات إستفزازية على المناطق والمدن اللبنانية لزرع الفتن، والتحريض الطائفي، تحت وهم الوصول للرئاسة الأولى محاولا تهميش كل مسيحي يمكن أن يكون مشروع رئيس، ودغدغة عصبية تياره السياسي بتعزيز شعور الثأر من الدروز، ونكأ جراح حرب الجبل وحفر قبور الشهداء الذين قال وليد جنبلاط فيهم يوما “نطوي صفحة الحرب ونترحم على كل الشهداء بمن فيهم الذين سقطوا في القتال ضدنا، لنفتح صفحة المصالحة في الجبل والعودة للعيش المشترك”. ويعمل جبران باسيل بجد على الإنقلاب على إتفاق الطائف الذي يعتبر إنه قد أخذ صلاحيات المسيحيين منهم في حكم لبنان متجاهلا مقولة الزعيم السني الأشهر في تاريخ لبنان الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي قال “أوقفنا العد والعداد” كل المناصب الأولى في لبنان مناصفة فيما بين المسلمين والمسيحيين بغض النظر عن النسب والأعداد، فكان جزاء السنة مقابل ذلك أن قاتلهم جبران باسيل بسلاح حزب الله ساعيا لتحجيم موقع رئاسة الوزراء، وإقناع حزب الله إنه الأدات الأفضل بيدهم لتنفيذ أجندتهم داخليا وخارجيا عبر إيصاله الى رئاسة الجمهورية اللبنانية.

يبلغ الإحتقان السياسي الداخلي في لبنان أشده مستعيدا مشاهد من الحرب اللبنانية، عبر إستعراض قوة بالسلاح قام به أنصار الوزير صالح الغريب المدعوم من طلال أرسلان والتيار العوني، لمحاولة فرض زيارة لجبران باسيل الى الجبل عبر خطاب طائفي إستفزازي مدعوم بقوة عسكرية ضخمة من الجيش اللبناني، بإيعاز من وزير الدفاع التابع لتيار باسيل، لكسر شوكة النائب السابق ورئيس الحزب التقدمي الإشتراكي والذي يمثل على الأقل 80% من الجبل وليد جنبلاط.

لماذا وليد جنبلاط؟

ما حصل في الجبل هو أول الغيث، وهو أمر عمليات سوري ضد وليد جنبلاط لتحجيم دوره في السياسة اللبنانية وإخضاع دروز لبنان وسوريا للنظام السوري، وضمهم لحلف الأقليات. فمنطقة الجبل بما تعنيه من رمزية الثنائية الدرزية والمسيحية، وما شهدته من أحداث أثناء الحرب الأهلية تبدو مرشحة لإعادة عقارب الساعة الى ما قبل المصالحة التاريخية التي رعاها البطريريك صفير، ليعود الجبل ساحة حرب وصراع لفرض الأجندة السورية على لبنان والجبل، عبر تحجيم خط المواجهة الأخير مع النظام السوري وليد جنبلاط، المدعوم بتيار عريض من جماهير قوى 14 آذار، ولو لم تعد تلك الحركة السياسية موجودة فعليا، فوليد جنبلاط المتهم زورا باسقاط تلك الحركة هو ضميرها، وإنسحابه منها كان واقعية سياسية، فتلك الحركة سقطت فعليا عندما رفض ما طرحه الشهيد جورج حاوي بدعوة الجماهير بالصعود الى قصر بعبدا لإسقاط الدكتاتور القابع فيه حينها رأس النظام الأمني السوري في لبنان الرئيس الأسبق إميل لحود، ولو توجهت الجماهير حينها الى بعبدا لربما تغير التاريخ وشهدنا فصلا مختلفا، و تقييم تلك المرحلة نتركه للتاريخ بحسناتها وسيئاتها فهناك الكثير من الأسرار الغير مكشوفة التي يمكن أن تغير المشهد بكليته، إلا أن الأكيد هو أنه لولا وليد جنبلاط لما كان في ظل الخوف الذي ساد الساحة بعد إستشهاد الرئيس الحريري، لما كان هناك 14 آذار، ولما خرج الرئيس السوري بشار الأسد بجيشه من لبنان. وليد جنبلاط رفع حينها السقف بوجه النظام السوري وخاطب رئيسها متديا إياه علنا وقال له أمام جماهير 14 آذار “يا طاغية في الشام، ويا قردا لم تعرفه الطبيعة”.

لم تكن محطة 14 آذار الوحيدة في المواجهة فيما بين النظام السوري ووليد جنبلاط وهو من قتل أباه زعيم الحركة الوطنية اللبنانية “كمال جنبلاط” بيد النظام السوري بأمر مباشر من حافظ الأسد بعد إجتماع عاصف بينهما رفض خلاله كمال جنبلاط التنازل عن حلم التغيير في لبنان لصالح سيطرة النظام السوري. وليد جنبلاط الذي طالما ردد مقولة إنه سينتظر جثة النظام السوري على ضفة النهر لطالما عرف كيف يفضح كذب هذا النظام الذي قال رئيسه ومؤسسه حافظ الأسد يوما بحضور وليد جنبلاط منتقدا الرئيس الراحل رمز فلسطين ياسر عرفات “ليس هناك ما يسمى فلسطين بل هناك جنوب سوريا”، فكشف بذلك زيف إدعاءات النظام السوري بدفاعه عن فلسطين. آخر فصول المواجهة كانت قبل شهرين عندما وصف الزعيم وليد جنبلاط الرئيس السوري بشار الأسد “بأكبر كاذب” فثارت ثائرة نظام الأسد وحلفاؤه على وليد جنبلاط، بسبب وصفه رأس النظام بشار الأسد بأكبر كاذب في العالم. تقصّد جنبلاط أن يطلق هذا الوصف على الأسد، عبر قناة روسيا اليوم، وتمرير أكثر من موقف يطرحون إشكاليات متعددة، هدفها تعرية النظام وحلفائه ومضامين خطاباتهم ومواقفهم حول الممانعة والمقاومة. والرسائل الأساسية التي أطلقها جنبلاط ولم يفهمها أصحاب الرؤوس الحامية، أو هم أرادوا إساءة فهمها تعمداً، والشروع في هجمة عنيفة على الزعيم الدرزي، لأجل إبعاد الأنظار عن الفضيحة التي قصد جنبلاط تفجيرها، وتتعلق بالرسائل المباشرة وغير المباشرة بين النظام السوري والإسرائيليين.

كشف جنبلاط أنه في العام 2013، وجه بشار الأسد رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يقول له فيها إن الدولة العلوية في سوريا لن تضر المصلحة الإسرائيلية. كانت تلك الرسالة في خضمّ سعي النظام السوري إلى عمليات تهجير ممنهجة للشعب السوري من مناطقه الأصلية، خصوصاً في حمص ودمشق وريفها، ورسم حدود النظام على سوريا المفيدة. وانطلق جنبلاط في قراءته لهذه الرسالة والتي كشفها له دبلوماسي روسي، من سعي النظام المتجدد إلى إعادة إحياء حلف الأقليات والذي يرتكز على الكتف الإسرائيلي كعرّاب لهذا التحالف وساع لتفتيت المنطقة منذ سنوات طويلة، فنجح النظام بما لم تنجح به إسرائيل طوال عقود. وهي نفس الرسالة التي يبشر بها جبران باسيل عبر السعي لحماية حزب الله من خلال ورقة التفاهم، وإعلانه في العديد من المناسبات عن إنتمائه لحلف الأقليات مع النظام السوري، وقبله توجه الرئيس عون الى براد وإعلانه بشار الأسد إمبراطورا للأقليات في الشرق.

لم تكن رسالة الأسد إلى إسرائيل الأولى من نوعها، فيوم سقط الجولان في العام 1973، اعتبر حافظ الأسد أن سوريا خسرت الأرض وربحت النظام، وعندها تكشفت المعادلة، الأرض مقابل النظام. واليوم التاريخ يعيد نفسه، تعلن إسرائيل ضم الجولان، بينما الأسد وروسيا يشرعان في إغداق الهدايا على نتنياهو من خلال تسليم الرفات الجنود الأسرى الإسرائيليين بلا مقابل سوى سعيا لكسب رضا إسرائيل، وكأن المعادلة الجديدة ترسو على تسليم الرفات والأرض مقابل إعادة تعويم النظام لتكون المعادلة كما كانت أيام الأسد الأب الأرض والولاء التام لإسرائيل مقابل بقاء النظام في سوريا.

متى سيتحرر اللبنانيون من إرث حافظ الأسد ومن بعده إبنه بشار وهو الذي قال للرئيس الشهيد رفيق الحريري “رح كسر لبنان على راسك وراس وليد جنبلاط”. ولماذا الإصرار على إظهار أن المصالحة في الجبل هشة. قيل سابقا ” مين فرعنك فرد قائلا تفرعنت ولم أجد من يوقفني او يردني الى حجمي”، والجبل يستقبل كل حسب أفعاله وأقواله، وأبناء الجبل قرروا إعادة جبران باسيل الى حجمه الطبيعي، وهو طبعا ليس من فئة العمالقة، وهو الصغير بأفعاله وأقواله. فليصعد غريم الحرب السابق لجنبلاط والدروز سمير جعجع الى الجبل ولنشهد كيف سيستقبل أهل الجبل بحفاوة غريم الحرب السابق، وشريك المصالحة، كدلالة على إنطواء مرحلة الحرب، فلا أحد يريد عودة تلك المرحلة، أما جبران باسيل الذي لا عمل له سوى إثارة الفتنة وزرع بزور الفتنة بين أبناء الجبل عبر تصريحات مشبوهة يطلقها هو ووزراءه عن إمكانية عيش المسيحيين في الجبل بشراكة ووئام مع الدروز فمن الطبيعي أن لا يكون مرحبا به في الجبل.

شركاء المصالحة مطالبون بالرد على إدعاءات باسيل، والتأكيد على العيش المشترك وحماية الطائف الذي وافقوا عليه ووقعوه خاصة تيار المستقبل “أم الصبي” لإتفاق الطائف، وهو الذي ما إنفك يخوض معارك جانبية مع وليد جنبلاط ليعوض عن خساراته المتكررة أمام التيار البرتقالي، وحزب الله، بتنازلاته الغير مبررة للطرفين، أما الطرف الثاني المطلوب منه موقف علني حيال المصالحة وإتفاق الطائف فهو القوات اللبنانية، التي دفعت الثمن الأغلى للحفاظ على هذا الإتفاق عبر سجن رئيسها جعجع ظلما وحل الحزب للتمهيد للسيطرة الكاملة للنظام السوري على الشارع المسيحي.

معادلتان تحكمان الصراع فيما بين جنبلاط والأسد وتوابعه، معادلة جنبلاط منذ عهد والده الزعيم كمال جنبلاط، وصولا الى وريثه السياسي تيمور جنبلاط كانت وستكون عروبة الدروز، فلسطين قضية مركزية، لبنان سيد حر مستقل، بينما المعادلة المقابلة للأسد الأب والإبن وأعوانهما تقول ليس هناك ما يسمى فلسطين فهي بالنسبة لهم جنوب سوريا يبيعونها كما باعوا الجولان حسب السوق وحسب العرض والطلب الإسرائيلي، والأساس هو النظام وبقائه ضرورة ولو مقابل الأرض والخضوع لإسرائيل، لبنان محافظة تابعة للنظام السوري محكومة بأجهزته الأمنية عبر سلاح حزب الله وحلفاء سوريا.

ما بين جنبلاط وسوريا يجب الوقوف مع وليد جنبلاط بكل تناقضاته، لحفظ إستقلال لبنان، ومنع هيمنة النظام السوري، وحماية إتفاق الطائف والدفاع عن روحية 14 آذار، والإلتفاف حول الدولة اللبنانية، ورفض هيمنة المليشيات، خاصة المليشيات التي أوصلت الوزير محمود القماطي الى الوزارة، وهو الداعي الى جمع الأسلحة من المليشيات، وأنا أدعوه وأدعو حزبه “حزب الله”، الى تقديم المثال عبر تسليم سلاحهم للجيش اللبناني والإقرار بسلطة الدولة على كافة التراب اللبناني.