//Put this in the section //Vbout Automation
وسام سعادة - القدس العربي

باسيل العابر للطوائف – وسام سعادة – نداء الوطن

ما المستفزّ بالتحديد في ظاهرة “وزير العهد” جبران باسيل؟

إنّه متأهّب بالكلام الحادّ والإيماءات الفوقية لفتح جبهات عدّة في وقت واحد، أو في أوقات متقاربة. مع نبيه برّي. مع “القوات”. مع المناخ الأكثري ضمن الطائفة السنّية، ومع التيار الغالب لدى الدروز. وطبعاً، مع اللاجئين السوريين، وضد أسلوب إدارة هذا الملف من لدن المؤسسات الدولية.




وما ينمّي طاقته الاستفزازية أنّه قادر على أن يكون “عابراً لكل الطوائف”، بل ربّما كان الأكثر عبوراً لها، وفي الوقت نفسه، يختبر في جولاته المتتابعة الخريطة المرورية لـ”الأقاليم” جميعها.

له عند الشيعة حليف وثيق هو “حزب الله” ولو تضايق الأخير من غلوّه أو ارتجاليّته هنا أو هناك.

وله في السنّة علاقة زئبقية، تهبط وتعلو مع رئيس الحكومة، وغالباً ما يدفع فاتورتها الأخير.

وبالنسبة إلى اللاجئين السوريين، كل شهوته الزجرية ازاءهم لا تُنقص عنده حظوة ومودّة النظام السوريّ بل تزيد.

يبقى أنّ “المسألة الدرزية” أوضح بالنسبة إلى باسيل. له في الموحّدين خصم واضح، وأصدقاء واضحون.

وبالتوازي، هو يراهن على المواءمة، ببراعة واحتراف، بين الإستثمار في التركة الثقيلة لماضي التناحر الدرزي-الماروني في الجبل، وبين توظيف الخلاف الدرزي-الدرزي لصالحه.

هو يجيد أساس السياسة: فن التمييز بين الخصم والصديق. لكنه ينوّع: صديق صديقه في الشيعة هو خصمه. وخصمه في السنّة هو صديقه. فقط عند الدروز يفرز باسيل صديقين واضحين له (أرسلان، وهاب)، خصم واضح: البيت الجنبلاطي.

تاريخ جبل لبنان حافل بوقائع ومآسي الخلط بين التناقضات الدرزية-الدرزية والتناقضات المسيحية-الدرزية. الحدث المؤسس بامتياز لتاريخ الكيان، معركة عين داره 1711 كانت شيئاً من هذا وذاك. تصادم درزي-درزي يستقطب مسيحيين من الجهتين. يحسمه فريق من الدروز لمصلحته (الحزبية القيسية)، ويستفيد المسيحيون بالنتيجة من هذا الحسم. اختلفت المعادلة في المراحل اللاحقة، لكن التصادم الدرزي-المسيحي لم ينفصل مرة عن التناقض الدرزي الداخلي، أو عن التناقض المسيحي الداخلي.

يبقى أنّه، وبنتيجة الحرب اللبنانية، ساد الإعتقاد بشكل أو بآخر، أنّ زعامة جنبلاط استطاعت تحقيق نوع من الإجماع حولها. إنضم معظم اليزبكيين إلى العقد الجنبلاطي، وجرت المحافظة على ثنائية البيتين، آل جنبلاط وآل أرسلان، إنما على قاعدة تكريس التفاوت النوعي بين قوة كل منهما. عمق الأزمة في الجبل اليوم، أنّ ثمّة معارضة درزية موالية لدمشق و”حزب الله” مقتنعة بأنّ البيت الجنبلاطي دخل أزمة هيكلية، بحيث يمكن التخفف من هيمنته الشاملة على الطائفة، إن لم يكن الذهاب الى أبعد.

عمق الأزمة هذا لم يصنعه باسيل، لكنّه أجّجه بإعادة الوصل – كما في القديم – بين التناقض المسيحي- الدرزي وبين التناقض الدرزي الداخلي، على طريقته. وهذا جزء من خطورة باسيل: قدرته على خوض المعركة ضد الجميع، و”خرق” الجميع في الوقت نفسه. واللبّ في هذه الخطورة أنّ باسيل يدرك أكثر من سواه، من بعد ميشال عون، هذا التوتر الجوفي من اتفاق الطائف لدى شريحة واسعة من المسيحيين، لكنّ بديله هو تحميل هذا الإتفاق حمولة زائدة طوال الوقت. يشبه باسيل عون في الكثير، لكن الأخير ظل مشدوداً للصورة الوردية عن الجمهورية الأولى. أما الباسيلية فهي العونيّة محرّرة من هذه الصورة الوردية. هي العونية الدائمة.

لا يلغي ذلك خطر الوقوع في المطبّ الآخر، مطبّ “رهاب الباسيلية” أو الباسيلوفوبيا. فالرجل يستبيح تصدّعات وتناقضات ينبّتها الواقع اللبناني المفتقد أكثر فأكثر إلى مترتبات العقد الإجتماعي، لكنّه لا يخلق هذه التناقضات. الرجل يستخرج “الباسيلية” من واقع الجماعات اللبنانية نفسها.