//Put this in the section //Vbout Automation

مَن يريد الفتنة في الجبل؟

عبد الوهاب بدرخان – النهار

أي فتنة خطيرة تبدأ بمجموعة فتن صغيرة ثم تكبر. لكن الأهم أن أي فتنة لا تحصل إلا إذا توافرت لها إرادة لدى مجموعة من قوى رئيسية تديرها وثانوية تمهّد لها وهامشية تنفّذ الأوامر لإشعالها. هذا ما يبدو أنه متوافر في خلفية حادث الأحد الماضي في الجبل. كان واضحاً من ردود الفعل أن هناك مستفيدين من سقوط ضحايا لتعميق الفرقة بين أبناء طائفة الموحّدين الدروز، وأن هناك متضرّرين يستغلّون الحادث كونه يعمّد نفوذهم المستجدّ بالدم، ومتضرّرين يتلقّون الإنذار تلو الآخر بأن مناطقهم وطائفتهم باتت مخترَقة بأدوات من داخلها ومستهدَفة من خارجها ومن قوى تريد أن تعاقبها لدوافع وأهداف عدة متداخلة.




ليس أسهل من الاستنكار والدعوة الى تحكيم العقل ودرء الفتنة وحقن الدماء، لكن هذا لا يناسب أصحاب خطاب الشحن الطائفي والمذهبي ونبش القبور لإحياء الماضي وإفساد مصالحة مسيحية – درزية شهد الجبل ولادتها ويجهد لتكريسها وتطويرها. وإذ يناشد العقلاء القليلون في البلد بعضهم بعضاً، فإنهم يصطدمون بأن ما يحدث في الجبل يتخطّاهم جميعاً، فثمة أجندة لم تعد خفيّة تنفّذها أطراف لم تعد خفيّة مستندة الى مجموعات يقودها مهووسون يعتقدون أن زعامتهم لا تستوي إلا بضرب الزعامة الجنبلاطية. ولو أنهم مؤهّلون ومتمتّعون بالاعتبارية وبقبول من غالبية الطائفة ويعملون بالوسائل السلمية من أجل وحدتها واستقرار أهلها، لما شكّلوا أي خطر عليها، ولما استكثر أحد عليهم طموحاتهم، بل كان العكس ليكون صحيحاً فالتنوّع والتعدّد مشروعان، أما أن يكونوا ما هم عليه الآن وقد انكشفت ارتباطاتهم ووظائفهم، فهذا لن يحقق لهم أي تقدّم في زعاماتهم بل يمكن أن ينقلب التفافاً أكبر حول الجنبلاطية.

لم يعد سرّاً أن ثمة التقاء مصالح بين النظام السوري و”حزب الله” و”التيار الباسيلي” في استهداف جنبلاط بسبب مواقفه السياسية، ولكلّ منهم أسبابه و… ثاراته: دمشق من أيام تضامنه مع “ثورة الأرز” الى تضامنه مع الشعب السوري ورفضه العبث بأمن دروز سوريا. و”الحزب” من 7 أيار (2008) الى معارضته تورّط “الحزب” في سوريا. و”التيار” بسعيه الى الهيمنة على المسيحيين واستيائه من تعايش الاشتراكيين مع “القوات اللبنانية” وفقاً للمصالحة التي رعاها البطريرك الراحل نصرالله صفير. هذه الأطراف الثلاثة تشرف على الفتنة في الجبل ولا تسهّل أي مصالحة بل توعز الى أدواتها بمواصلة التوتير آملة في تغيير الحقائق والتوازنات. كان جنبلاط بادر الى التهادن/ التصالح مع “حزب الله”، وكان أول من تناسى مآخذه وأيّد “التسوية الرئاسية”، وكان ارتضى التنازل لإقرار قانون الانتخاب ثم لتشكيل الحكومة الحالية ثم لإجراء مصالحة مع طلال أرسلان عبر تسوية قانونية لحادث قتيل الشويفات… هذه التنازلات زادت الأطراف الثلاثة تغوّلاً فاعتبرتها ضعفاً وتراجعاً لكنها زادت الشارع احتقاناً. والأرجح أنه سيبقى كذلك في المدى المنظور.