غزوة جبران باسيل – مكرم رباح – الراي

الحادث الذي وقع بين أنصار زعيم الدروز وليد جنبلاط وصهر رئيس الجمهورية وزير خارجية لبنان جبران باسيل، الأحد، أعاد الى الواجهة قرية قبرشمون ومنطقة الشحار الغربي.

هذه المنطقة هي جزء من جبل لبنان الجنوبي والتي طُبعت في الذاكرة الجماعية كمسرح لإحدى أشرس حلقات الحرب الأهلية، أي حرب الجبل سنة 1984 بين الدروز والموارنة والتي قَتلت وهجرت الأبرياء في حفلة جنون انتهت مع مصالحة الطرفين العام 2000 برعاية البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير وجنبلاط والأطراف التي شاركت في القتال، وعلى رأسها «القوات اللبنانية» والكتائب.




واقعة قبرشمون دفعت بالعديد، إما عن جهل أو عن خباثة متعمدة، إلى وضع الإشكال في إطار العودة إلى الماضي وإلى مقولة إن الصراع الدرزي – الماروني لا يزال جمراً تحت الرماد، وأن مقتل شابين من أنصار طلال أرسلان يأتي ضمن إطار صراع عشائري ينتهي عند حدود النزاع على السلطة داخل العشيرة المعروفية.

إن ما حصل مساء الأحد في محيط قريتي وقرية أجدادي من حماة الثغور، هو غزوة فاشلة قام بها باسيل نيابة عن «حزب الله»، وهو أيضا جزء لا يتجزأ من حملة تقويض وعزل جنبلاط والدروز والطوائف الأخرى، وإجبارهم على القبول بباسيل كرئيس قادم لجمهورية يراها مِلكاً له ولحزبه الحاكم.

تقاطُر أهالي الشحار لقطع الطريق على باسيل لم يأتِ من عدم، وهم أنفسهم الذين رحبوا بالعديد من الساسة المسيحيين الذين أتَوا إليهم بعقلية المصالحة والمحبة، بل هو ردة فعل مرفوضة ولكن طبيعية على تحريض الأخير ونبشه القبور ودماء الأبرياء من أجل خدمة مشروعه التوسعي السلطوي.

وفي حين يقوم اللبنانيون كعادتهم بشَي اللحوم والاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع مع العائلة، يُسخّر باسيل نهاية أسبوعه لتفقد رعاياه في مختلف المناطق. ففي الأسبوع الفائت قرر أن يغزو منطقة جبة بشري معقل الدكتور سمير جعجع مسخّراً القوى الأمنية ورتلاً مؤللاً من الجيش الذي تجاوز مستقبليه، وكل ذلك لتحدي خصومه وقواعدهم ومن ثم الهروب والاختباء وراء «دولته» ومرافقيه.

وقد زار منطقة البقاع والجنوب وسيزور طرابلس الأسبوع المقبل حيث سيَسمع من الأهالي كلاماً يذكره بأنه ليس المارد الماروني الذي يدّعيه بل مجرد شخص عنصري يغطي سلاح «حزب الله» ويستعمله ضد الشعب.

قافلة باسيل إلى الشحار، كانت وفق اعتراف أحد وزرائه تحظى بحماية سبع سرايا من الجيش عُززت لاحقا بفصائل من قوات المغاوير. أما سلاح باسيل الفعلي والأخطر، هو سلاح التحريض وخطاب الكراهية الذي ينثره في كل أرجاء الوطن كما يُنثر الرز والورود عادة فوق رؤوس الأبطال. في 7 مايو 2008 حاول «حزب الله» أن يغزو جبل لبنان وأن يجبر الدروز وزعيمهم على الركوع أمام سلاحه الفارسي، في مغامرة غبية أسفرت عن ردّ فعل عنيف من أهالي الجبل الذين ردّوا الغزاة عن بيوتهم وأرضهم.

وبعد فشل 7 مايو، قرر باسيل أن يخترق الجبل من «الطاقة» مدججاً بسلاح الحقد والكراهية الذي اصطدم برفض أهالي الجبل بدروزه ومسيحييه، فانبرى صهر الرئيس إلى تصوير منعه من الدخول على أنه تسلط جنبلاطي يؤكد مزاعم حزبه بأن المصالحة التي يتغنى بها جنبلاط هي كذبة كبيرة وبأن مسيحيي الجبل هم رهينة اتفاق سياسي بائد.

بالأمس، دخل الموت والدم بيوت الموحدين الدروز واضعاً الأخوة والأقارب في مواجهة بعضهم البعض. لكن المأساة الكبرى تكمن في دخول باسيل، وما يمثله من أيقونة عنصرية مذهبية، منازل كل اللبنانيين يومياً من خلال تغطيته لمنع المسلمين من السكن في مناطق مسيحييه وتأجيج الاحتقان المذهبي. ولمجابهة مشروع باسيل وقطع الطريق عليه، يجب تجنب التصادم العنفي واللجوء إلى حالة رفض وطنية عابرة للطوائف تبدأ بقيام الشركاء المسيحيين في مصالحة الجبل برمي طموحهم الرئاسي في القمامة والدفاع عن خياراتهم السياسية، ومن بينها اتفاق الطائف الذي كُرس دستورياً واحتوى الجنون السياسي الذي يشكل باسيل وجها متجدداً له. كما أنه من المفيد جدا أن يستيقظ الرئيس سعد الحريري من سباته السياسي والانبراء إلى الدفاع ليس عن حلفائه من الدروز، بل عن إرث أبيه الشهيد رفيق الحريري الذي كرس التعددية بدمه.

والأهم من ذلك كله، أن يعلم اللبنانيون، وعلى رأسهم «أنقياء الدم من الفينيقيين»، أن تجاهل سلاح «حزب الله» المنهَك في مشروع إيران التوسعي لن يحميهم، وكما فشلت قوات النخبة في غزوتها في مايو 2008 ستفشل كل الغزوات «الباسلية»، وسيبقى الدروز وكل الرافضين لثقافة العنصرية حماةَ ثغور هذا الوطن الذي يجاهد لمنع باسيل وحلفائه من حصرية النطق باسمه.

قد يكون باسيل نجح في سفك دم الأبرياء وتسميم البيت الداخلي الدرزي، لكنه فشل مرة أخرى في ترميم صورته، مؤكداً أنه مجرد «حصان طروادة» آخر لمشروع إيراني مفلس سياسيا ومادياً.