//Put this in the section //Vbout Automation

١ تشرين الأول ٢٠١٩: الحكم الدولي النهائي بحق عناصر حزب الله في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري

أحمد عياش – النهار

بعد مسيرة بدأت في آذار 2009، تصل المحكمة الخاصة بلبنان في الاول من تشرين الاول المقبل، الى إصدار حكمها النهائي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، بناء على أدلة بلغ عدد صفحاتها 151 الفاً و781 صفحة.




بحسب معلومات لـ”النهار” من مصادر محلية متابعة لأعمال المحكمة الخاصة بلبنان، سيصدر قرار المحكمة بعد ثلاثة أشهر في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005. ووفق هذه المعلومات، سيمثّل صدور الحكم حدثاً كبيراً كونه يثبت ضلوع أربعة أفراد من “حزب الله” (أحدهم القيادي في الحزب مصطفى بدر الدين) في ارتكاب الجريمة. قد يكون من باب الصدفة ان يجري تحديد موعد جلسة النطق بالحكم في التاريخ ذاته الذي وقعت فيه محاولة اغتيال النائب مروان حماده عام 2004. لكن هذه الصدفة تحمل أيضا دلالة مهمة لها صلة ببدء مسلسل الاغتيالات التي عصفت بلبنان قبل 15 عاما، واستمرت طويلا. لكن اغتيال الحريري شكّل منعطفا في مسار الاحداث في لبنان وفي بعض أحداث المنطقة.

لماذا يشكّل صدور الحكم بعد مرور أكثر من 14 سنة ونصف سنة على وقوع الجريمة “حدثا كبيرا” بحسب توصيف مصادر المعلومات المشار اليها آنفا؟ في قراءة معمّقة لهذه المصادر، يتبيّن ان عام 2000 كان بداية مسار للاحداث التي سقط خلالها الحريري وعدد من القيادات السياسية والامنية ومواطنين. ففي ذلك العام، قررت إسرائيل في زمن حكومة إيهود باراك سحب قواتها من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان تطبيقاً للقرار الدولي الرقم 425 الصادر عام 1978. ودعت هذه المصادر الى العودة الى أرشيف وزارة الخارجية الاميركية لتبيان كم كان وقع قرار الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان “هائلا” على حكم الرئيس حافظ الاسد، الذي سارع الى طلب مساعدة الرئيس المصري حسني مبارك لكي يوسّط واشنطن في الضغط على إسرائيل لترجئ انسحابها من جنوب لبنان. لكن الوساطة المصرية لم تصل الى أية نتيجة. وتم الانسحاب الاسرائيلي في موعده الذي قرره باراك. ولكن لم تمضِ أسابيع بعد هذا الانسحاب، وتحديدا في 10 حزيران 2000، حتى فارق حافظ الاسد الحياة.

الاوساط نفسها وصفت ردة فعل دمشق على إنهاء إسرائيل احتلالها لجنوب لبنان بـ”الارباك الشديد”، بسبب انكشاف الدور السوري في لبنان الذي استمد مشروعيته من التوازن بين الاحتلال الاسرائيلي جنوبا، والوجود السوري شمالا، بدءا من منتصف السبعينات من القرن الماضي. عندئذ برزت الحاجة الى مشروعية جديدة لتغطية الدور السوري في لبنان، فكانت نظرية مزارع شبعا المحتلة التي منحت “حزب الله” مبررا للاستمرار في العمل المسلح، كما كانت الحال قبل عام 2000، في وقت لم تكن إسرائيل ولا سوريا تعترفان بلبنانية هذه المزارع. وهذا اللااعتراف الاسرائيلي والسوري مستمر حتى اليوم.

بعد محطة الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، أطلت في العام 2003 محطة مهمة أيضا، وفق ما اوردته الاوساط نفسها. في ذلك العام غزت الولايات المتحدة الاميركية العراق لتستكمل بذلك بعد اجتياحها أفغانستان تطويق إيران. وسمح هذا التطويق بصدور القرار الدولي 1559 في 2004 والذي حدّ من نفوذ دمشق في انتخاب رئيس جديد للجمهورية وطلب حلّ الميليشيات التي لم تُحلّ بموجب اتفاق الطائف، فكان المقصود بهذا القرار حلّ “حزب الله”، الميليشيا الوحيدة التي تحمل السلاح خارج سلطة الدولة. وهكذا وجد النظامان السوري والايراني، في عام القرار 1559، انهما على متن قارب واحد ينحدر بهما الى إنهاء نفوذهما في لبنان. فنظام بشار الاسد كان يعتبر كفّ يده عن إيصال حليفه الجنرال اميل لحود الى قصر بعبدا، بمثابة بطاقة دعوة لخروجه من لبنان. كما رأى نظام علي خامنئي في القرار خطوة حاسمة لإنهاء النفوذ الايراني في لبنان بإنهاء “حزب الله”. وعندما تحرّك النظامان في دمشق وطهران معا في ممارسة الضغوط، بدءا من محاولة اغتيال مروان حماده، مرورا بتهديد بشار الاسد لرفيق الحريري بـ”تحطيم لبنان فوق رأسه ما لم ينتخب لحود”، تبيّن لهذين النظامين ان هذه الضغوط لم تنهِ مخاوف طهران التي وجدت في انتصار الحريري المؤكد في الانتخابات النيابية في ربيع 2005، ما يعزز فرص تطبيق القرار 1559.

وتخلص الاوساط الى القول: إن القرار الايراني – السوري باغتيال الحريري جاء في ذروة مرحلة إستفادت فيها طهران من الفراغ الذي أحدثه الغزو الاميركي في افعانستان والعراق، اللذين يمثلان جهتين معاديتين للجمهورية الاسلامية، فسارعت الى ملء هذا الفراغ. أما نظام بشار الاسد، فقد أصبح في حالة تماهٍ مع طهران، على رغم انه أوصل اميل لحود الى رئاسة الجمهورية.

ما هي المفاعيل التي ستترتب على صدور قرار المحكمة في اول تشرين الاول المقبل؟ في تقويم لمصادر قانونية تحدثت اليها “النهار”، ان التأثير الذي كان يرتبط بجريمة 14 شباط 2005، والتي جرى وصفها دوليا بالجريمة الارهابية، قد تلاشى بفعل مرور الزمن، كما كانت الحال مع يوغوسلافيا السابقة. والسبب هو ان احداثاً كبرى وقعت في لبنان والمنطقة أودت من تاريخ الجريمة حتى الآن بمئات الالوف من القتلى والجرحى وملايين المشردين. لكن هذا لا يلغي إطلاقاً ان تأثير قرار المحكمة العميق، والموثّق بأدلة قاطعة سيبصر النور وفي زمن اعتبرته المصادر معقولا مقارنة بالازمنة التي احتاج اليها القضاء الدولي في قضايا أخرى. ولم تسقط المصادر احتمال استئناف فريق الدفاع حكم المحكمة، إذا ما وجد مبررات قوية ليستأنف الحكم.

في الخلاصة، ستؤكد المحكمة ان عناصر “حزب الله” هم من نفّذوا جريمة اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، وبالتالي سيفتح الباب امام مرحلة لتكوين الصورة الكاملة حول مَن قرر الجريمة وخطط لتنفيذها.